الخميس، 29 أكتوبر 2009

ما الجمال ؟

أن نقول حول شخص ما أو شيء ما أو حتى فكرة ما, إنّه جميل, هو أن نعترف له بخاصّية نحكم إنها ايجابية: خاصية الجمال. و لكن هذه الخاصّية أو بالأحرى هذه الصفة ليست من باب المعرفة العلمية, فلا نستطيع أن نقر جمال شيء ما بقوانين الفيزياء أو قوانين الرياضيات وحدها. كما أن الجمال ليس من باب الأخلاق أيضا, فالرجل الجميل ليس بالضرورة الرجل الفاضل، ليس هو من باب ما هو عملي, فالشيء الجميل ليس بالضرورة صالحا لشيء ما.
و في كلمة إن الجمال ينتمي إلى حقل الإستيتيقا في المعنى الكانطي, أي أن الفرد وحده قادر على أن يحكم على جمالية الأشياء انطلاقا من إحساساته. و من هذا المنطلق فان التفكير حول الجمال يطرح صعوبات خاصة، والأمر لا يتعلّق فقط بكون كل فرد يمكن أن يعتبر جميلة أشياء مختلفة جدا، بل أن كل الناس أيضا لا يتفقون حول جمالية الأشياء.
و يجب أن نلاحظ أن اختلاف الأحاسيس بين الناس ليس العامل الوحيد الذي يحول دون تقديم تعريف موحد للجمال لأنه لو كان الأمر كذلك لقلنا ببساطة بأن الجمال يتحدد بطريقة ذاتية، و أن الجميل بالنسبة لشخص ما، هو ما يولد لديه إحساسا بالجمال. غير أن الأمر ليس على هذا القدر من البساطة.
وقد نعرف الجمال بأنه ما يعجب من زاوية إستيتيقية، ولكن هناك طرق إعجاب مختلفة، فنفس الشخص يمكن أن يحكم في ذات الوقت بجمال امرأة حسناء وقدر قد بدقة. غير انه لا يعيش نفس الإحساسات أمام المرأة و أمام القدر.
كما يمكن أن نعتبر أنه يوجد شكل من الجمال يكون أرقى من بقية الأشكال الأخرى، ولكن الناس يختلفون بحسب الفترات التاريخية حول هذا الجمال الأرقى، فنحن نستطيع أن نقابل مثلا، وبطريقة مثالية بين التصور الكلاسيكي للجمال الذي يمجد الجمال المطلق الإلهي، والتصور الحديث الذي يعتبر أن الجمال العميق يوجد في الكون بل و ربما حتى في العجيب.
وهذا يعني أن تحديد الجمال يصطدم بثلاث صعوبات فهو غير مدرك بنفس الطريقة بحسب الموضوع الذي يرتبط به. وهو غير مدرك بنفس الطريقة لا بحسب حساسية الذات ولا بحسب مثالها الإستيتيقي.
يبدو إذن، انه ليس هناك معيار يمكننا من القول بيقين إن هذا الشيء أو ذاك جميل. و ربما يقتضي الأمر البحث عن تفسير إحساس الجمال بحسب تنظيم الذهن البشري.
ذلك ما ذهب إليه دافيد هيوم في القرن الثامن عشر عندما أقرّ : "إن الجمال ليس خاصية ملازمة للأشياء في حد ذاتها، فهو يوجد فقط في الذهن الذي يتأملها، وكل ذهن يدرك جمالا مغايرا". أكثر من ذلك، يرجع هيوم إحساس الجمال إلى إحساس اللذة: "إن اللذة والألم ليسا فقط المرافقين الضروريين للجمال والقبح، بل هما ماهيتهما".
لكن هذه المقاربة لا تؤدي بالضرورة إلى نسبية مطلقة، ذلك أن هيوم ذاته يستحضر التربية و وحدة الطبيعة البشرية ليبرر نوعا من الاتفاق الذي يبدو سائدا حول الأشياء الجميلة. وإذا لم يذهب هيوم بعيدا في موقفه هذا، فإن بعض البحوث العلمية اليوم أثبتت أن عوامل وراثية وجينية تتدخل في إنتاج إحساس الجمال.
و كانط نفى مثل هيوم، في "نقد ملكة الحكم" وجود قاعدة أو معيار للجمال. غير أنه يلاحظ أن الجمال ليس ضروريا بالنسبة للذة، و لا اللذة ضرورية بالنسبة للجمال. ثم إنه يضيف كون كل حكم جمالي ينطوي على طموح الكونية والموضوعية، فالجميل هو "ما يعجب كونيا دون مفهوم"، والجمال عنده هو "إحساس نزيه بالانشراح والحبور" عند استهلاك أثر ما.
غير أن الجمال عند أفلاطون يرتبط بالحق (le vrai) والخير (le bien)، لذلك يميز بين الجمال في التجربة الحسية المباشرة باعتباره صفة نحملها على الكائنات والأشياء ويعتبره ظاهرا ليس إلا انعكاسا للجمال في ذاته أو مثال الجمال، بحيث لا تكون الأشياء المحسوسة جميلة إلا بمشاركتها في مثال الجمال، ذلك أن فكرة الجمال أرقى من الانشراح الذي تسببه الأشياء الجميلة المحسوسة. فأفلاطون يؤسس نظرية موضوعية حول الجمال، إذ يبين في "المأدبة" كيف يمكن أن نرتقي من الرغبة في الأجسام الجميلة إلى حب الأرواح الجميلة حتى ننتهي إلى تأمل الجمال في ذاته. وبهذا التدريب على الجمال في هذه المراحل الثلاث: التطهير والارتقاء والتأمل، يعطي أفلاطون شكلا جدليا لصعود الروح نحو الإلهي، وينجز بهذه الكيفية التقابل بين اللوغوس والأيروس. ولا يجب أن ننسى أن أفلاطون تماما مثل أرسطو من بعده يربط بين الجميل والمتناغم، رغم كون فكرة الجمال/الغاية تضاف عند أرسطو لفكرة الجمال/الكمال، فما هو جميل عند أرسطو ليس أمرا صدفويا، بل هو كذلك من أجل غاية ما. وهكذا فإذا كان أفلاطون يدين المحاكاة فإن أرسطو يقبلها بما أن الطبيعة، في نظره، تتصرف بالشكل الذي سيجعل الأشياء جميلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق