الخميس، 29 أكتوبر 2009

ما الجمال ؟

أن نقول حول شخص ما أو شيء ما أو حتى فكرة ما, إنّه جميل, هو أن نعترف له بخاصّية نحكم إنها ايجابية: خاصية الجمال. و لكن هذه الخاصّية أو بالأحرى هذه الصفة ليست من باب المعرفة العلمية, فلا نستطيع أن نقر جمال شيء ما بقوانين الفيزياء أو قوانين الرياضيات وحدها. كما أن الجمال ليس من باب الأخلاق أيضا, فالرجل الجميل ليس بالضرورة الرجل الفاضل، ليس هو من باب ما هو عملي, فالشيء الجميل ليس بالضرورة صالحا لشيء ما.
و في كلمة إن الجمال ينتمي إلى حقل الإستيتيقا في المعنى الكانطي, أي أن الفرد وحده قادر على أن يحكم على جمالية الأشياء انطلاقا من إحساساته. و من هذا المنطلق فان التفكير حول الجمال يطرح صعوبات خاصة، والأمر لا يتعلّق فقط بكون كل فرد يمكن أن يعتبر جميلة أشياء مختلفة جدا، بل أن كل الناس أيضا لا يتفقون حول جمالية الأشياء.
و يجب أن نلاحظ أن اختلاف الأحاسيس بين الناس ليس العامل الوحيد الذي يحول دون تقديم تعريف موحد للجمال لأنه لو كان الأمر كذلك لقلنا ببساطة بأن الجمال يتحدد بطريقة ذاتية، و أن الجميل بالنسبة لشخص ما، هو ما يولد لديه إحساسا بالجمال. غير أن الأمر ليس على هذا القدر من البساطة.
وقد نعرف الجمال بأنه ما يعجب من زاوية إستيتيقية، ولكن هناك طرق إعجاب مختلفة، فنفس الشخص يمكن أن يحكم في ذات الوقت بجمال امرأة حسناء وقدر قد بدقة. غير انه لا يعيش نفس الإحساسات أمام المرأة و أمام القدر.
كما يمكن أن نعتبر أنه يوجد شكل من الجمال يكون أرقى من بقية الأشكال الأخرى، ولكن الناس يختلفون بحسب الفترات التاريخية حول هذا الجمال الأرقى، فنحن نستطيع أن نقابل مثلا، وبطريقة مثالية بين التصور الكلاسيكي للجمال الذي يمجد الجمال المطلق الإلهي، والتصور الحديث الذي يعتبر أن الجمال العميق يوجد في الكون بل و ربما حتى في العجيب.
وهذا يعني أن تحديد الجمال يصطدم بثلاث صعوبات فهو غير مدرك بنفس الطريقة بحسب الموضوع الذي يرتبط به. وهو غير مدرك بنفس الطريقة لا بحسب حساسية الذات ولا بحسب مثالها الإستيتيقي.
يبدو إذن، انه ليس هناك معيار يمكننا من القول بيقين إن هذا الشيء أو ذاك جميل. و ربما يقتضي الأمر البحث عن تفسير إحساس الجمال بحسب تنظيم الذهن البشري.
ذلك ما ذهب إليه دافيد هيوم في القرن الثامن عشر عندما أقرّ : "إن الجمال ليس خاصية ملازمة للأشياء في حد ذاتها، فهو يوجد فقط في الذهن الذي يتأملها، وكل ذهن يدرك جمالا مغايرا". أكثر من ذلك، يرجع هيوم إحساس الجمال إلى إحساس اللذة: "إن اللذة والألم ليسا فقط المرافقين الضروريين للجمال والقبح، بل هما ماهيتهما".
لكن هذه المقاربة لا تؤدي بالضرورة إلى نسبية مطلقة، ذلك أن هيوم ذاته يستحضر التربية و وحدة الطبيعة البشرية ليبرر نوعا من الاتفاق الذي يبدو سائدا حول الأشياء الجميلة. وإذا لم يذهب هيوم بعيدا في موقفه هذا، فإن بعض البحوث العلمية اليوم أثبتت أن عوامل وراثية وجينية تتدخل في إنتاج إحساس الجمال.
و كانط نفى مثل هيوم، في "نقد ملكة الحكم" وجود قاعدة أو معيار للجمال. غير أنه يلاحظ أن الجمال ليس ضروريا بالنسبة للذة، و لا اللذة ضرورية بالنسبة للجمال. ثم إنه يضيف كون كل حكم جمالي ينطوي على طموح الكونية والموضوعية، فالجميل هو "ما يعجب كونيا دون مفهوم"، والجمال عنده هو "إحساس نزيه بالانشراح والحبور" عند استهلاك أثر ما.
غير أن الجمال عند أفلاطون يرتبط بالحق (le vrai) والخير (le bien)، لذلك يميز بين الجمال في التجربة الحسية المباشرة باعتباره صفة نحملها على الكائنات والأشياء ويعتبره ظاهرا ليس إلا انعكاسا للجمال في ذاته أو مثال الجمال، بحيث لا تكون الأشياء المحسوسة جميلة إلا بمشاركتها في مثال الجمال، ذلك أن فكرة الجمال أرقى من الانشراح الذي تسببه الأشياء الجميلة المحسوسة. فأفلاطون يؤسس نظرية موضوعية حول الجمال، إذ يبين في "المأدبة" كيف يمكن أن نرتقي من الرغبة في الأجسام الجميلة إلى حب الأرواح الجميلة حتى ننتهي إلى تأمل الجمال في ذاته. وبهذا التدريب على الجمال في هذه المراحل الثلاث: التطهير والارتقاء والتأمل، يعطي أفلاطون شكلا جدليا لصعود الروح نحو الإلهي، وينجز بهذه الكيفية التقابل بين اللوغوس والأيروس. ولا يجب أن ننسى أن أفلاطون تماما مثل أرسطو من بعده يربط بين الجميل والمتناغم، رغم كون فكرة الجمال/الغاية تضاف عند أرسطو لفكرة الجمال/الكمال، فما هو جميل عند أرسطو ليس أمرا صدفويا، بل هو كذلك من أجل غاية ما. وهكذا فإذا كان أفلاطون يدين المحاكاة فإن أرسطو يقبلها بما أن الطبيعة، في نظره، تتصرف بالشكل الذي سيجعل الأشياء جميلة.

الجمال و التمثّل

ابراهيم قمودي
عندما نقول إن اثر ما هو تمثل, فإن ذلك قد يعني إما أن الأثر هو انعكاس لنموذج طبيعي معطى, و إما انه نتيجة نشاط أصيل أو أسلوب نظر على حد عبارة مالرو الذي يقول "الفن هو ما به تصبح الأشكال أسلوب " (1).في الحالة الأولى، التمثل هو مجرد صورة, ازدواج ظاهر ما, هو المحسوس المقدم مرة ثانية. و التمثل يكون، عندها، نتيجة تشويه مزدوج, الصورة كشكل محسوس لشيء ما و التمثل كرسم لذلك الشيء.
و يكون التمثل بالتالي، ظاهر الظاهر دون أن تكون لدينا القدرة على تحديد درجة التشويه الذي يحمله في ذاته إذا لم يكن النموذج حاضرا لدينا. و كانط يستبعد هذا المعنى الأول الذي يجعل من الأثر رسما سيئا عندما اقر بان الفن ليس تمثل الأشياء الجميلة. فكانط يستبعد مشكل المشاركة في الجمال و يركز بحثه حول أصل التمثل. فأن نقول إن الجمال هو التمثل الجميل لشيء ما هو أن نعطي للفن خاصية جوهرية باعتباره نشاط مبدع يهدف إلى التمثل الجميل. و إذا كان الفن هو التمثل الجميل لشيء ما فإنه يهدف لإنتاج الجمال الذي يرتبط بالفنان, بأسلوب و بشيطان, وهو ما يؤدي إلى تغير جوهري في فهم التمثل, فليس التمثل مجهود إعادة إنتاج و لكنه مجهود إنتاج, مجهود خلق. و في هذا المعنى يقول برقسون:" يهدف الفن دائما لان يطبع فينا أحاسيس أكثر من التعبير عنها"(2). و من هذا المنطلق يرتبط الفن بالأثر الجميل و التمثل يمكن أن يفيد عندها التصوير الواعي لما هو خارجي أو لما هو داخلي, و في كلتا الحالتين فان حقيقته هي الذاتية المبدعة.
الجمال هو إذن ما هو جميل داخليا أي أن الفن يعبر عمن يكابد ذاته خارج كل مسافة و بالتالي عمن يكابد ذاته مباشرة, و التمثل الجميل ليس رسما للمرئي و لكنه تعبير عن اللامرئي, عن الداخلية و عما لا يمكن رؤيته. و هذا يعني أن ذاتية الفنان هو المكان الذي تتحقق و تتمظهر فيه حقيقة الفن، ذلك أن محتوى و شكل الأثر من مشمولات الذاتية المتحررة من إجبار تمثل طبيعة مادية ميتة سابقة في الوجود على الذاتية و تملي عليها المحتوى و الشكل فتقتل بهذه الكيفية الجمال.
هذا يعني أن الجمال لا يرافق التمثل إلا بفضل أسلوب الفنان, و التمثل يكون جميلا عندما يصبح تعبيرا. و بالتالي فان الجمال هو شكل محدد من قبل محتوى غير مرئي. يتعلق الأمر إذن بالاعتراف بالفنان كقادر على نشاط تتوجه فيه حريته نحو حقيقة عالم جديد يتمثل فيه بحثه عن اللامتناهي, عالم تكون داخليته فيه علامة التسديد, يقول هنري دولاكروا :" للفن دائما وظيفة خلق عالم يكون فيه الفكر في بيته"(3).
الجمال إذن ليس مجال القاعدة و لكن مجال الأفكار تماما مثلما عبر عن ذلك هيجل عندما اقر :" يتحدد الجمال كتمظهر محسوس للفكرة " (4), فالجمال لا غاية له فالأثر الجميل هو غاية ذاته, هو رمز التناغم الذي لا يتحقق في الإنسانية إلا بالحرية المتقاسمة. وهو ما يعني إن الفنان هو المبدع الذي يظهر عالم الإمكانات الذي يحمله في ذاته, عالم الحياة, عالم من يكابد ذاته و يعطي شكلا للحياة عبر إنتاج اثر حي حيث يقول لافيل:" إن ما يخصّ الفن هو أن يعطي شكلا لعالم الإمكانات هذا الذي نحمله في أعماق وعينا " (5). إن الفنان لا ينسخ الطبيعة مثلما علمنا هيجل, انه لا يتخلى عن شيء لان الذات لا تستطيع أن تنفصل عن ذاتها, انه يهب الحياة بإبداعه للجمال.

الفن : الجمال و الحقيقة

ابراهيم قمودي
يسود الاعتقاد اليوم بأن الفن هو وسيلة للهروب من الواقع، اعتقاد سائد إلى درجة أن أكثر الناس اليوم لا يميزون بين منتوجات المجتمع الاستهلاكي التي لها أهداف ترفيهية و الإبداعات الفنية التي تتضمن من جهة مبدعها مثلما من جهة المهتمين بالشأن الفني، استثمارا حقيقيا قد يصل إلى حد الوجد. فنحن نرى في الفن نوعا من الوسيلة التي تهب لنا انتشاءات متنوعة و مختلفة، انتشاءات موسيقية و سينيمائية و مسرحية... تتمثل وظيفتها في التسلية إذ تساعدنا على نسيان الواقع الباهت و الفظ الذي نعيش فيه.
غير أن هذا الضرب من التعامل مع الفن مبني على نسيان المجهودات، ربما، الفوق إنسانية التي يقوم بها الفنان ليشنع و يتجاوز و يتعالى و يجمّل الواقع ذاته. هو أيضا نسيان ثابة يحمل الفن بمقتضاها رسالة. و في هذا المعني ما غنم الإنسان الذي يصارع ضد خزي الواقع، و ضد حماقات المجتمع، بل و ضد حماقات الإنسانية بأغاني و بموسيقى و بصور و نحوت، إذا كان هدف الفن هو الهروب من الواقع؟ فما الفن، إذن، و أي صلة تربطه بالواقع؟ هل أنه مبدع للجمال من أجل الارتحال عن الواقع؟ أم أنه يؤسس حقيقة متعالية على ما هو محسوس بشكل مباشر فيستدعينا إلى عالم الجمال الذي يوقظ فينا خزي الواقع و قبحه، فلا يكون الارتحال عن الواقع إلا لغزوه من جديد؟ أم أن الجمال و الحقيقة لا يلتقيان إلا ليتناقضا؟ أليست الحقيقة متضمنة للفرح و بالتالي لبهاء الجمال الروحي؟
Iالفن و الجمال
إن لكلمة فن معنيان:
ـ ففي المعنى الأصلي للكلمة يعني الفن مجموعة الطرق التي تمكننا من الحصول على نتيجة ما وفي هذا المعنى نتحدث عن فن الصناعة :فن الطبخ...و الفن بهذا المعنى يتعارض مع العلم باعتباره معرفة نظرية إذ يعني الفن هنا تقنية , وهذا المعنى هو الذي يعطيه أرسطو للفن إذ يعتبر أن الفنان حرفي .
ـ كما يعني الفن خلق أشياء جميلة يقول لالوند " الفن أو الفنون تعني كل إنتاج للجمال بآثار كائن واعي" و في هذا التحديد نتبين علاقة وثيقة بين الفن والجمال. ذلك أن الجمال هو المفهوم المعياري و الأساسي الذي تحيل إليه الأحكام الجمالية.
و أن نقول حول شخص ما أو شيء ما أو حتى فكرة ما, إنّه جميل, هو أن نعترف له بخاصّية نحكم إنها ايجابية: خاصية الجمال. و لكن هذه الخاصّية أو بالأحرى هذه الصفة ليست من باب المعرفة العلمية, فلا نستطيع أن نقر جمال شيء ما بقوانين الفيزياء أو قوانين الرياضيات وحدها. كما أن الجمال ليس من باب الأخلاق أيضا, فالرجل الجميل ليس بالضرورة الرجل الفاضل، ليس هو من باب ما هو عملي, فالشيء الجميل ليس بالضرورة صالحا لشيء ما. و في كلمة إن الجمال ينتمي إلى حقل الإستيتيقا في المعنى الكانطي, أي أن الفرد وحده قادر على أن يحكم على جمالية الأشياء انطلاقا من إحساساته. و من هذا المنطلق فان التفكير حول الجمال يطرح صعوبات خاصة، وأن الأمر لا يتعلّق فقط بكون كل فرد يمكن أن يعتبر جميلة أشياء مختلفة جدا، بل أن كل الناس أيضا لا يتفقون حول جمالية الأشياء.
و يجب أن نلاحظ أن اختلاف الأحاسيس بين الناس ليس العامل الوحيد الذي يحول دون تقديم تعريف موحد للجمال لأنه لو كان الأمر كذلك لقلنا ببساطة بأن الجمال يتحدد بطريقة ذاتية، و أن الجميل بالنسبة لشخص ما، هو ما يولد لديه إحساسا بالجمال. غير أن الأمر ليس على هذا القدر من البساطة.
وقد نعرف الجمال بأنه ما يعجب من زاوية إستيتيقية، ولكن هناك طرق إعجاب مختلفة، فنفس الشخص يمكن أن يحكم في ذات الوقت بجمال امرأة حسناء وقدر قد بدقة. غير انه لا يعيش نفس الإحساسات أمام المرأة و أمام القدر.
كما يمكن أن نعتبر أنه يوجد شكل من الجمال يكون أرقى من بقية الأشكال الأخرى، ولكن الناس يختلفون بحسب الفترات التاريخية حول هذا الجمال الأرقى، فنحن نستطيع أن نقابل مثلا، وبطريقة مثالية بين التصور الكلاسيكي للجمال الذي يمجد الجمال المطلق الإلهي، والتصور الحديث الذي يعتبر أن الجمال العميق يوجد في الكون بل و ربما حتى في العجيب.
وهذا يعني أن تحديد الجمال يصطدم بثلاث صعوبات فهو غير مدرك بنفس الطريقة بحسب الموضوع الذي يرتبط به، وهو غير مدرك بنفس الطريقة لا بحسب حساسية الذات ولا بحسب مثالها الإستيتيقي.
يبدو إذن، انه ليس هناك معيار يمكننا من القول بيقين إن هذا الشيء أو ذاك جميل. و ربما يقتضي الأمر البحث عن تفسير إحساس الجمال بحسب تنظيم الذهن البشري.
ذلك ما ذهب إليه دافيد هيوم في القرن الثامن عشر عندما أقرّ : "إن الجمال ليس خاصية ملازمة للأشياء في حد ذاتها، فهو يوجد فقط في الذهن الذي يتأملها، وكل ذهن يدرك جمالا مغايرا". أكثر من ذلك، يرجع هيوم إحساس الجمال إلى إحساس اللذة: "إن اللذة والألم ليسا فقط المرافقين الضروريين للجمال والقبح، بل هما ماهيتهما".
لكن هذه المقاربة لا تؤدي بالضرورة إلى نسبية مطلقة، ذلك أن هيوم ذاته يستحضر التربية و وحدة الطبيعة البشرية ليبرر نوعا من الاتفاق الذي يبدو سائدا حول الأشياء الجميلة. وإذا لم يذهب هيوم بعيدا في موقفه هذا، فإن بعض البحوث العلمية اليوم أثبتت أن عوامل وراثية وجينية تتدخل في إنتاج إحساس الجمال.
و كانط نفى مثل هيوم، في "نقد ملكة الحكم" وجود قاعدة أو معيار للجمال. غير أنه يلاحظ أن الجمال ليس ضروريا بالنسبة للذة، و لا اللذة ضرورية بالنسبة للجمال. ثم إنه يضيف كون كل حكم جمالي ينطوي على طموح الكونية والموضوعية، فالجميل هو "ما يعجب كونيا دون مفهوم"، والجمال عنده هو "إحساس نزيه بالانشراح والحبور" عند استهلاك أثر ما. و يمكن أن نلخص النظرية الكانطية في الفن في النقاط التالية :
يميز كانط بين المستحبّ الذي يمكّننا من لذة حسية والجمال الذي لا يرتبط باللذة الحسية, فالجمال يرتبط بانشراح نزيه .
يحلل كانط بعد ذلك الكونية الجمالية التي هي كونية دون مفهوم، فعندما أحكم على شيء ما بكونه جميل فإني أنسب إلى كل الناس الإحساس الذي ينتابني أمام هذا الشيء, فهي، إذن، كونية بالحق لا بالحدث. ثم إن هذه الكونية ليست منطقية يقول كانط: « الجميل هو ما يعجب بطريقة كونية دون مفهوم».
في الحكم الذوقي يحصل تطابق بين الموضوع من جهة والخيال والفاهمة(ملكة إصدار الأحكام) من جهة أخرى، فالموضوع متناغم. لكن هذا التناغم لا يرتبط بغاية خارجة عن الفن بل أن غايته هي الفن ذاته أي الجميل.
الحكم الذوقي هو حكم ضروري وهذه الضرورة تنتج عن كونيّته لذلك فهي ضرورة ذاتية.
غير أن الجمال عند أفلاطون يرتبط بالحق (le vrai) والخير (le bien)، لذلك يميز بين الجمال في التجربة الحسية المباشرة باعتباره صفة نحملها على الكائنات والأشياء ويعتبره ظاهرا ليس إلا انعكاسا للجمال في ذاته أو مثال الجمال، بحيث لا تكون الأشياء المحسوسة جميلة إلا بمشاركتها في مثال الجمال، ذلك أن فكرة الجمال أرقى من الانشراح الذي تسببه الأشياء الجميلة المحسوسة. فأفلاطون يؤسس نظرية موضوعية حول الجمال، إذ يبين في "المأدبة" كيف يمكن أن نرتقي من الرغبة في الأجسام الجميلة إلى حب الأرواح الجميلة حتى ننتهي إلى تأمل الجمال في ذاته. وبهذا التدريب على الجمال في هذه المراحل الثلاث: التطهير والارتقاء والتأمل، يعطي أفلاطون شكلا جدليا لصعود الروح نحو الإلهي، وينجز بهذه الكيفية التقابل بين اللوغوس والأيروس. ولا يجب أن ننسى أن أفلاطون تماما مثل أرسطو من بعده يربط بين الجميل والمتناغم، رغم كون فكرة الجمال/الغاية تضاف عند أرسطو لفكرة الجمال/الكمال، فما هو جميل عند أرسطو ليس أمرا صدفويا، بل هو كذلك من أجل غاية ما. وهكذا فإذا كان أفلاطون يدين المحاكاة فإن أرسطو يقبلها بما أن الطبيعة، في نظره، تتصرف بالشكل الذي سيجعل الأشياء جميلة.

II الفن و الحقيقة
لا أحد ينكر أن الحقيقة جميلة بذاتها، إذ «يوجد الحق إلى جانب الجميل و الخير كما كان ذلك بديهيا في العالم القديم» على حد قول غادامر. ذلك أن حقيقة العبارة بما هي تعبير عقلاني عن معرفة الواقع، ضرورية بالنسبة للإنسان من حيث هو كائن عاقل. غير أن الحقيقة يمكن أن تجد أشكالا أخرى في التعابير الإنسانية فتكملها، خاصة عندما يتعلق الأمر بما لا يمكن قوله، عندما يتعلق الأمر بأعماق أعماق القلب. و الفن هو ضرب تعبير إنساني يتجاوز حدود الحاجة الحياتية الضرورية لكل كائن حي، إذ يمثل غزارة للثراء الإنساني الداخلي. فالفن هو ضرب من الحكمة العملية التي تمزج بين المعرفة و المهارة لتهب شكلا لحقيقة واقع في لغة الإحساس، لغة الرائي و المرئي، إذ «هناك حقيقة شهيق و زفير للوجود، هناك تنفس في الوجود، هناك فعل و انفعال لا يمكن بالكاد تمييزهما بحيث لا نعود نعرف من الذي يرى و من الذي يُرى» على حد عبارة موريس مارلو بونتي. و إذا كانت دراستنا للمسألة العلمية قد بينت لنا نسبية الحقيقة التي تتحدد بالنسبة لمنظورية الذات العارفة، فإننا لا نجانب الصواب إذا قلنا أنها غير بعيدة عن الرؤية الذاتية للفنان الذي يبدع في تمثلاته آثارا فنية، إن الفنان لينمذج الواقع بطريقته الخاصة.
1) الفن والمحاكاة
يرى أفلاطون أن الفن محاكاة للطبيعة فالمرجع الأول لكل الأشياء هو المثال, ومثال ذلك فكرة السرير التي يأخذها الحرفي كقانون لصناعة السرير ويخلق عندها السرير المحسوس والمادي , والفنان يحاكي هذا السرير المحسوس الذي حققه النجار, سرير هو ذاته نسخة. وهكذا تأتى المادة الفنية بالنسبة لأفلاطون في الصف الثالث من النظام الأنطولوجي فأولا الفكرة ثم الأشياء وأخيرا الإبداعات الفنية , ومن ثمة فإن الفن بالنسبة لأفلاطون وهم والجمال الفني ليس إلا شبحا للجمال الحقيقي.
لكن إذا كان أفلاطون قد حلل كما ينبغي الجمال الكوني فإنه لم يحسن التعبير عن هدف الفن. فالفنان ليس حرفيا ولا يصنع أوهاما محسوسة بل إنه يكشف الأثر الواقعي، لذلك يرى هيجل أن مبدأ المحاكاة لا يمكّننا من معرفة الطبيعة العميقة للفن, فلِما ننتج الطبيعة مرة ثانية إذا ما كان ما نتأمّله في حدائقنا أو منازلنا يكفينا، ثم إن الفن المحاكي لا يستطيع أن ينافس الطبيعة, يقول هيجل :« على الفن أن يبحث عن غاية أخرى عدى المحاكاة الصورية للطبيعة لأن المحاكاة في كل الحالات لا تنتج إلا آثارا تقنية لا آثار فنية». و Leonard De Vinci نقد أيضا التصور الأفلاطوني للفن عندما أقر بأن الفن هو إبداع ذاتي فالفنان رب خالق يبدع من ذاته لا عن مثال. غير أن الكاتب والروائي الإنجليزي أوسكار وايلد (1856ـ1900) يذهب إلى أبعد من هيجل و دي فنشي، إذ لا يكتفي بنفي المحاكاة, محاكاة الفن للطبيعة بل يرى عكس ذلك أن الطبيعة هي التي تحاكي الفن. فوارذار بطل قوات كان سببا مباشرا في انتحار العديد من الناس، ذلك أن أدبيات الفن تستبق الحياة والطبيعة, تنمذجها وتخلقها, و روني بطل شاتوبريون، وأنطوان رونكنتان بطل سارتر (وأبو هريرة بطل المسعدي) وأبطال آخرون يسكنون الأذهان ويشكلون الواقع, يقول وايلد «إن القرن التاسع عشر كما نعرفه هو بنسبة كبيرة من صنع بالزاك والطبيعة مثلها مثل الحياة تحاكي الفن , فم الطبيعة إذن؟ ليست الطبيعة الأم التي ولدتنا بل هي من إبداعنا» .


2) الجمال و التمثّل
عندما نقول إن اثر ما هو تمثل, فإن ذلك قد يعني إما أن الأثر هو انعكاس لنموذج طبيعي معطى, و إما انه نتيجة نشاط أصيل أو أسلوب نظر على حد عبارة مالرو الذي يقول "الفن هو ما به تصبح الأشكال أسلوب ".
في الحالة الأولى، التمثل هو مجرد صورة, ازدواج ظاهر ما, هو المحسوس المقدم مرة ثانية. و التمثل يكون عندها نتيجة تشويه مزدوج, الصورة كشكل محسوس لشيء ما و التمثل كرسم لذلك الشيء. و يكون التمثل بالتالي، ظاهر الظاهر دون أن تكون لدينا القدرة على تحديد درجة التشويه الذي يحمله في ذاته إذا لم يكن النموذج حاضرا لدينا. و كانط يستبعد هذا المعنى الأول الذي يجعل من الأثر رسما سيئا عندما اقر بان الفن ليس تمثل الأشياء الجميلة. فكانط يستبعد مشكل المشاركة في الجمال و يركز بحثه حول أصل التمثل. فأن نقول إن الجمال هو التمثل الجميل لشيء ما هو أن نعطي للفن خاصية جوهرية باعتباره نشاط مبدع يهدف إلى التمثل الجميل. و إذا كان الفن هو التمثل الجميل لشيء ما فإنه يهدف لإنتاج الجمال الذي يرتبط بالفنان, بأسلوب و بشيطان, وهو ما يؤدي إلى تغير جوهري في فهم التمثل, فليس التمثل مجهود إعادة إنتاج و لكنه مجهود إنتاج, مجهود خلق. و في هذا المعنى يقول برقسون:" يهدف الفن دائما لان يطبع فينا أحاسيس أكثر من التعبير عنها". و من هذا المنطلق يرتبط الفن بالأثر الجميل و التمثل يمكن أن يفيد عندها التصوير الواعي لما هو خارجي أو لما هو داخلي, و في كلتا الحالتين فان حقيقته هي الذاتية المبدعة.
الجمال هو، إذن، ما هو جميل داخليا أي أن الفن يعبر عمن يكابد ذاته خارج كل مسافة و بالتالي عمن يكابد ذاته مباشرة, و التمثل الجميل ليس رسما للمرئي و لكنه تعبير عن اللامرئي, عن الداخلية و عما لا يمكن رؤيته. و هذا يعني أن ذاتية الفنان هو المكان الذي تتحقق و تتمظهر فيه حقيقة الفن، ذلك أن محتوى و شكل الأثر من مشمولات الذاتية المتحررة من إجبار تمثل طبيعة مادية ميتة سابقة في الوجود على الذاتية و تملي عليها المحتوى و الشكل فتقتل بهذه الكيفية الجمال.
هذا يعني أن الجمال لا يرافق التمثل إلا بفضل أسلوب الفنان, و التمثل يكون جميلا عندما يصبح تعبيرا. و بالتالي فان الجمال هو شكل محدد من قبل محتوى غير مرئي. يتعلق الأمر إذن بالاعتراف بالفنان كقادر على نشاط تتوجه فيه حريته نحو حقيقة عالم جديد يتمثل فيه بحثه عن اللامتناهي, عالم تكون داخليته فيه علامة التسديد, يقول هنري دولاكروا :" للفن دائما وظيفة خلق عالم يكون فيه الفكر في بيته".
الجمال إذن ليس مجال القاعدة و لكن مجال الأفكار تماما مثلما عبر عن ذلك هيجل عندما اقر :" يتحدد الجمال كتمظهر محسوس للفكرة ", فالجمال لا غاية له فالأثر الجميل هو غاية ذاته, هو رمز التناغم الذي لا يتحقق في الإنسانية إلا بالحرية المتقاسمة. وهو ما يعني إن الفنان هو المبدع الذي يظهر عالم الإمكانات الذي يحمله في ذاته, عالم الحياة, عالم من يكابد ذاته و يعطي شكلا للحياة عبر إنتاج اثر حي حيث يقول لافيل:" إن ما يخصّ الفن هو أن يعطي شكلا لعالم الإمكانات هذا الذي نحمله في أعماق وعينا ". إن الفنان لا ينسخ الطبيعة مثلما علمنا هيجل, انه لا يتخلى عن شيء لان الذات لا تستطيع أن تنفصل عن ذاتها, انه يهب الحياة بإبداعه للجمال.

3) الخلق الفني ومشكل الإلهام

إذا كان الأثر الفني هو المجموع المنظم من العلامات والمواد في شكل يضعه ذهن خلاّق, مجموع ينتج فينا جماله انشراحا لامصلحيّا، ففيما يتمثل خلق هذا الأثر الذي نحدّده باعتباره الماهية الروحية للأشياء ؟
يرى أفلاطون أن الخلق الفني ناتج عن الهام الآلهة أو الجن، إذ يرى أن الشاعر يخلق بفضل موهبة ربانية. و وفق هذا المنظور يبدو أن للفنان امتياز ملغز , فالوحي الإلهي هو الذي يدفعه للتأليف أو الرسم دون أن تكون له القدرة على ذلك. قول أفلاطون: «إن الشاعر لا يكون في حالة خلق قبل أن يكون ملهما من الآلهة ».
كانط أيضا يطرح مسألة الشيطان الطبيعي. فالشيطان موهبة طبيعية تعطي قواعد للفن، هو استعداد فطري للذهن يقول كانط:«الشيطان هو الموهبة التي تمكّن الفن من قواعده».
أما كارل قيستاف يانغ يعتبر، مفسّرا ما يسميه البعض بالإلهام، أن الفنان كالأداة في يد اللاشعور الجمعي. غير أن هيجل يذهب أبعد من ذلك و يدحض نظرية الإلهام، إذ يرى أن الخلق الفني هو ضرب من ضروب التفكير ولكن تفكيرا لا يستند إلى المفاهيم بل إلى الأشكال والخطوط والألوان .
ذلك أن كل تفكير بالنسبة لهيجل يعني إنتاج أفكار، و رغم كون الفكرة يمكن تمثلها بطرق مختلفة فان وجود فكر يعني وجود تفكير، عمل ثقافي ومفهومي. إلا أن التفكير الفلسفي تفكير خاص: فالفيلسوف هو الشخص الذي يأخذ الفكر المحض كموضوع، لكن هذا لا يعني أن الفيلسوف يبقى في التجريد المحض و الفارغ على غرار الريبي، ولكن يعني أن تفكيره ليس ترجمة مباشرة أو إعادة إنتاج للواقع، فأن نفكر فلسفيا هو أن نفكر بالكيفية التي تجعلنا نجد تدريجيا محتوى التفكير عبر أنماط و وسائط, مراحل وسطية تثري الفكر وتوضح الفكرة.
والفيلسوف من هذا المنطلق هو الذي يظهر لنا الفكرة في شكل ما، بخطابه وبنظريته. وهذا الشكل هو الشكل الفلسفي الاستدلالي. ذلك أن اللغة المفهومية هي أداة الفيلسوف، تماما كما تمثل الريشة والألوان أدوات للرسام. فالفكرة يمكن أن تقدم في أنماط مختلفة باختلاف ضروب الفكر الذي ينتجها ويظهرها، ففي حين أن فكرة السلم يقدمها الفنان في شكل رمزي، "حمامة بيضاء"، مثل ما هو الشأن مع بيكاسو مثل, فإنها تتخذ من الخطاب الفلسفي شكلا نظريا و مفهوميا في تناقضها مع فكرة الحرب. وهكذا يستطيع هيقل أن ينقد الفنان الذي يأخذ عن الفيلسوف طريقته المميزة في التفكير، لأنه في هذه الحالة، لن ينتج أثرا فنيا ولكن انتحالا لفكر فلسفي، و عوض أن يعبر عن الفكرة التي يريد إظهارها في شكل فني, يقدمها في شكل شبه فكرة فلسفية. فعندما يحاكي الفنان الفيلسوف يكون إنتاجه مناقضا للأثر الفني لأنه لا يحترم خصوصية وأصالة ضرب الفكر الفني . ولكن فيما تتمثل هذه الخصوصيةبالنسبة لهيقل؟
إن العنصر الأساسي الذي يميز ضرب التفكير الفني على التفكير الفلسفي, هو الخيال. والخيال بالنسبة لهيقل ليس خاصية فلسفية فهو ليس جوهريا في إنتاج الأفكار الفلسفية، في حين أنه يمثل الأداة الأساسية والمفضلة بالنسبة للفنان عند تعبيره عن الواقع. لكن يجب أن نلاحظ أنه إذا كان الخيال يحقق للفنان أصالة منظوره, فإنه يصنع في نفس الوقت بعض الحدود. فبخياله, يصل الفنان مباشرة و دون واسطة إلى"علة و ماهية الأشياء" أي أن الخيال يمكّنه من استكناه عمق ومعنى الأشياء عبر الصور وأشكال والتمثيل. و عوض أن يحصل على هذه المعرفة، على طريقة الفيلسوف, أي انطلاقا من مبدأ ما أو من تصور عام، يرى الفنان، بفضل الخيال, الأشياء في صورة حسية, في واقع فردي, ومن هذا المنطلق تكون الطريقة التي يتمثل بها الفنان الأشياء دائما أكثر ذاتية, أكثر فردية, وبالتالي محدودة أكثر من طريقة الفيلسوف، فهذا الأخير يذهب بأقل سرعة نحو ماهية الشيء بما أنه في حاجة لكي يظهرها لنا في شكل فكرة, إلى عمل مفهومي طويل يتضمن عدة وسائط, و تكون حقيقة تمثلا ته أكثر كونية من تمثلات الفنان.
الخلق الفني ينشأ،إذن، عن دور الخيال و عن طبيعة الأشكال المُفَكَّر فيها التي ينتجها الخيال، لكن ما يريد الفنان التعبير عنه هو كل «ما يتحرك ويتخمر في خاطره»، وهيقل يقدم من خلال هذه الصورة فكرة حركة تهز أفكار الفنان في داخليته، وإنه لفي هذه الداخلية شبه المبهمة لذهنه أين تهتز، تعتمل و تتخمر الأفكار, دون أن نستطيع تصوّر مأتاها و لا كيف يستطيع الفنان إخراج هذه الحياة الداخلية. المشكل هو إذن مشكل تمثل , الفنان عليه أن يتمثل هذا العالم الداخلي الذي يهزه في نفس الوقت الذي عليه فيه أن يوجد أشكال تمثلها للآخر عبر الأثر الفني. عليه إذن أن يترجم في أشكال حسية الأفكار التي توجد في ذهنه، وهنا بالذات يتدخل خياله. فالفنان هو ذاك الذي يُجَمَّع بإدراك حاد وحدّة الصور والمظاهر الحسية التي يقدّمها له الواقع الخارجي، فيخزّنها, و يمتلكها حتى يستطيع فيم بعد استثمارها ليعطي شكلا لأفكاره الخاصة. و هذه القدرة المميزة للفنان تمثل، في نفس الوقت, حدا له, إذ أنه لا يستطيع مثلا أن يعطيها شكلا مفهوميا مثل الفيلسوف. و مع ذلك فإن هذه الترجمة للفكرة الداخلية في شكل المظاهر الحسية ليس عملا ميكانيكيا بسيطا, إنها تفترض عمل الفنان، عمل مطابقة و ملاءمة، بالكيفية التي تجعل الأشكال تُطوَّع وتخضع للهدف، أي التعبير عن الفكرة. فليس الشكل في ذاته ولذاته الذي يحدد الأثر الفني : إنه العمل الذي بموجبه تجد الفكرة شكلها، و ليس أي شكل بل الشكل المعبر عن الفكرة.
لذلك ليس من باب الصدفة أن يستعمل هيقل أفعال النّحت، صهر و تشكيل، ليصف العمل الذي يجمع فيه الفنان ما هو عقلاني و صوري، فهذا العمل هو عمل ثقافي، بمعنى أنه يحصل في ذهن الفنان ذاته، و يمثّل استباقا للعمل الجمالي واليدوي الذي يعطي الشكل للأثر الفني. فكل أثر فني هو نتيجة عمل يجمع العنصر العقلي (الفكرة ) والشكل الحسي، و الجمال يكمن في قدرة التحكم في الشكل الملائم للفكرة, في خضوع الشكلانيّ للمفهوميّ. فليس هناك جمال استيتيقي للمفهوم المحض تماما مثلما ليس هناك قيمة جمالية للشكل الفارغ من كل فكرة. لذلك كان على الفنان أن يكون له في نفس الوقت ذهنا ناشطا وحسا عميقا, لأن الأثر الفني ينتج عن الجمع بينهما. وهكذا نتبين أن هيقل يلح على أهمية النشاط الذهني والعقلي في الإبداع الفني وهو نشاط لا يؤخذ، في كثير من الأحيان، بعين الاعتبار أو على الأقل، لا يقدر حق قدره, إذ أننا نميل إلى الحكم على جمالية الآثار الفنية انطلاقا من أشكالها رغم أننا نحكم أيضا على بعض الأعمال بكونها صورية فارغة عندما تخلو من هذا البعد العقلي. وهنا بالذات تكمن أهمية المقاربة الهيقلية، فرغم كون ما نلاحظه في الوهلة الأولى في العمل الفني ليست الفكرة التي يعبر عنها الشكل, يمكن أن نقول أن الأثر الفني، بالنسبة لهيقل، يقتضي حضور الفكر من خلال الشكل دون أن تدوس الفكرة الشكل، أي أن نجاح الأثر الفني ينتج عن التوازن الناتج عن العمل الذهني للفنان بين الشكل والمضمون.
من الواضح إذن، أن أسطورة الفنان المُلهم و المبدع لاشعوريا بوحي شبه سحري أو إلهي, هي بالذات ما ينتقدها هيقل, فإذا كان النشاط الذهني ضروريا للإبداع الفني ,إذا كان ذهن الفنان يجب أن يكون لا فقط يقضا بل ناشطا أيضا فإن وهم الحدس المبصر في الحلم من طرف الفنان لا يمكن أن يكون إلا خرافيا. ثم من يصدق هذا الوهم أمام صرامة الإيقاع في أبيات شعر هوميروس، و أمام البحث عن المجازات التي توشّي الأوديسا, من يصدق أن هوميروس أنتج مثل هذه الرائعة الفنية بطريقة لاشعورية أو رغما عنه.
إن الفن ليس عملا عقليا محضا، و لكن الفنان هو دائما مفكر يستعمل عقله وفكره ليختار الأشكال التي يعبر بها عن أفكاره. والفنان الذي لا يتحكم في موضوعه و يترك نفسه لقوة إلهام خلاق, لا يستطيع أن يصيب هدفه. وحتى عندما يترك في الظاهر القواعد الكلاسيكية والصورية للخلق الإنشائي, يبقى الفنان سيد الأشكال التي يفرضها على الفكر, فالمعرّي ألزم نفسه بما لا يلزم في اللزوميات , لكن إبداعاته لم تكن حرة وفوضوية بل إن الحرية الظاهرة التي مارسها جعلت من الممارسة الفعلية والمتواصلة لعقله أكثر ضرورة.
إن هيقل هو أحد أهم الفلاسفة الذين حاولوا فهم وتفسير ميكانيزمات الإبداع الفني في تفكيره حول الجماليات. و يرفض بقوة الأحكام التي تختزل الإبداع في الإلهام فالفنان لا يقدم ميكانيكيا إلهاما, ولكن في نفس الوقت الذي يؤكد فيه على أهمية العمل الذهني للفنان, يرفض اختزال الفن في الفلسفة يرفض المماهاة بين الإبداع الفني و الإبداع المفهومي.


III الفن و المنفعة

توجد في كل المجتمعات و الدول العصرية هياكل تهتم بالفنون الجميلة، وهي هياكل ترتبط عموما بالمسألة الثقافية، مما يتضمن تحديد الإبداع الفني باعتباره عملا ثقافيا يتسم بالجدية و يرسي قيم جمالية أصيلة تليق بالإنسان من حيث هو كائن ينتج وجوده لذاته. غير أن بعض المواقف البراقماتية لا ترى في الفنون الجميلة إلا مجالا لإنتاج آثار نافعة، و بالتالي تكون غاية الأثر الفني مرطبة بالمصلحة. فكيف تتحدد قيمة الأثر الفني؟ هل تتحدد بالمنفعة المادية أم بما أراد الفنان أن يعبر عنه من تمثلات روحية لامصلاحية؟ و إلى أي مدى يمكن أن تحدد المصلحة جمالية الأثر الفني؟ ثم كيف يمكن أن نقيم الأثر الفني حتى نرد الاعتبار للفن في عصر غدى فيه الفن سجين العلاقات الاقتصادية؟

لا غروي أن الإقرار بأن قيمة العمل الفني تقاس بمدى منفعته، هو إقرار يتضمن أن الفن نافع، أي إن الفن وسيلة لتحقيق غاية خارجة عنه. فالفن، من هذا المنظور، ينتج أشياء يكون استعمالها مفيدا، إذ يهدف الفن إلى المفيد، و كل أثر فني تكون له بالضرورة قيمة استعمالية، غاية أُبدع من أجلها. فيتحدد الجميل تبعا لذلك بالنفع، فالجمال غير النافع هو قبح. و من هنا تبرز نفعية أو برقماتية الفن، و هذه النظرة البراقماتية تجعل من الأثر الفني قريبا من إنتاجات التقنية.

كذلك هو الشأن عند اليونانيين القدامى الذين كانوا يجمعون دائما الفن و النافع، الفن و المستحب. فالأثر الفني عندهم يقوم بوظيفة، و الجميل هو النافع. و يبدو، في إطار هذه الرؤية للفن، أن الأثر الفني يشبع حاجة ما، فهو وسيلة لتحقيق غاية، و التمثال الجميل مفيد لأنه يمكن إحساسنا من التفتق و بالتالي يمكننا من الحصول على رغد ما. و وفق هذا التصور يكون الفن ناجعا، إذ يهدف إلى إشباع عملي، فهو يشبع بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة حجاتنا، و السؤال الأساسي الذي علينا طرحه أمام أثر فني هو : «لما يصلح هذا الأثر؟». و أفلاطون في محاورة «هيبياس الأكبر» يقدم تعريفا ـ سينفيه فيما بعد ـ للجميل يربط فيه الجمال و النفع، و هو تعريف السفسطائي هيبياس الذي يقول :«نحن نسمي أعينا جميلة لا تلك التي لا ترى شيئا و لكن تلك التي ترى و تصلح لهذه الغاية». و هذا يعني أن القبيح هو ما لا يصلح لشيء.

ذلك هو موقف القدامى، و لكن يجب أن نلاحظ أن الجماليات المعاصرة تنحى أيضا نحو هذا الاتجاه، فالكرسي أو الأريكة الحديثة هي مواصلة للتقنية، و الجمالي في البيئة الإنسانية اليوم، بدءا بالأدوات الرائجة الاستعمال و انتهاء بتنظيم المدن ينحى إلى الوظيفي، النافع و الملائم. و الجماليات الصناعية المطبقة في البحث عن الأشكال الجديدة الملائمة لوظائف المنتوجات تلتقي بالتصور اليوناني القديم، فالجمالية الوظيفية المعاصرة تستعيد الفكرة اليونانية التي تقر أن النافع هو جوهر الأثر الفني. لكن هل يمكن فعلا أن نماهي بين الأثر الفني و المنتوجات التقنية؟ بين الفن و ما هو نافع؟

إن من يتأمل لوحة فنية يعلم جيّدا أن السؤال «لما تصلح هذه اللوحة؟» هو سؤال لا معنى له في التجربة الجمالية، إذ كيف يمكن أن يكون الأثر الفني وسيلة لبلوغ غاية؟ واقعا يكون استعماله مفيدا؟ هل أن الفن يهدف جوهريا إلى الوظيفي؟ كيف يمكن لانشراح نزيه، يدقق كانط، أن يكون في علاقة مع النافع؟ كيف يمكن أن نماهي الآثار الفنية بالإنتاجات التقنية التي هي نافعة بالماهية بما أنها تقتضي تطبيق معرفة في إنتاج خيرات مادية؟

في الواقع، تقتضي هذه الأسئلة الاستنكارية بأن الفن لا يمكن أن يرتبط بالمنفعة المادية، و عندما نخرج عن الزاوية البراقماتية يبدو أن النافع ليس له قيمة، بل أكثر من ذلك، يبدو النافع قبيح مثلما يذهب إلى ذلك الروائي الأنقليزي أوسكار وايلد في كتابه «نوايا»، فبعيدا عن إبتذالية الحياة اليومية ينتج الفن نشاطا ثمينا و لامصلحيا، ذلك أن الأثر الفني ينتزعني من عالمي الخاص و الضيق، عالم المنفعة و المصلحة و الحاجات اليومية المبتذلة، و ينعشني إذ يزج بي في عالم آخر، حتى و إن كان هذا العالم من وحي الخيال. فالأثر الفني لا يمدني بالنافع و المستحب بل عكس ذلك ينتزعني منه مثلما أقر ذلك أفلاطون في المحاورة المذكورة أعلاه عندما قال ردا على تحديد السفسطائي هيبياس للجميل :«إن القدر الجميل و الملعقة الجميلة تمكنني من مشاهدة الجمال في ذاته»، و الجمال الفني من هذا المنظور يتعالى على الوظيفة المبتذلة، و الأثر الفني لا يبدو صالحا لشيء مادي مباشر، إذ هو عمل ثقافي يمكننا من التعبير عما هو سامي في الإنسان، إذ هو «تعبير عن تمثلات الروح» يقول هيقل، و بالتالي تتحدد جماليته بالمطابقة بين الشكل المحسوس و المضمون الروحي، مطابقة تقتضي ضربا من التفكير يكون الخيال وسيلته الجوهرية. و مثل هذا النشاط السامي لا يمكن أن يرتبط بمصلحة مادية. و كانط يذهب إلى أبعد من ذلك عندما أقر في القرن الثامن عشر بأن الفن لا يمكن أن يكون وسيلة و إنما هو غاية في حد ذاته، ذلك أن الجميل في المنظور الكانطي هو موضوع حكم ذوقي نزيه، و لا نستطيع وفق هذا التصور أن نربط الفن بالنافع أو بالمصلحة العملية. و هذا يعني أن الجميل في الأثر الفني يبعدنا عن كل إشباع خبري أو مصلحي، خاصة و أن كانط كان له الفضل في التمييز بين ما يروق للحواس، أي ما يمكن أن يكون نافعا لحواسنا و هو المستحب و بين الإحساس النزيه بالإشراح الذي يمثله الجميل. فكيف يمكن للأثر الفني أن يكون نافعا في حين أنه لا يفتننا بطريقة محسوسة بما أنه يجرنا بعيدا عن العالم و يحررنا من إمبريالية رغباتنا الحسية؟

غير أن نقد الموقف البراقماتي الذي يربط بين الأثر الفني و المصلحة من قبل الموقف المثالي الذي يعتبر الفن غاية في حد ذاته، يبدو نقدا مغاليا. فهل أن النافع هو فقط وسيلة لتحقيق غاية ما؟ ألا يمكن أن يوجد نفع أوسع وأعمق من النفعية المادية الضيقة؟

هذا يعني أنه لا يمكننا أن نختزل النفع في الربح المادي فقط، إذ يمكن أن يعني النافع في معنى ثان ما هو قادر على تحقيق سعادة الإنسان. و النافع من هذا المنطلق يمكن أن يكون الكيفية التي أحقق بها الانشراح و السرور، و يكون الفن بمثابة الوعد بالسعادة. و بالتالي في ما عدى النفع المادي المباشر، يوجد نفع وجودي أعمق و أشمل، و لا يكون النافع من هذا المنظور وسيلة مرتبطة بتحقيق نتيجة ما و لكن نشاطا مرفوقا بالانشراح، نشاطا يثري الوجود الإنساني و يمكّن الفنان كما المستهلك من التفتق الروحي. ففي هذا المستوى و على عكس المنتظر تكون النزاهة ذاتها مصدرا للسعادة و الخلود، و الفن الذي هو ثمرة نشاط لا غاية عملية له يكون نافعا بما أنه ينتج قيما نوعية، فيكون الأثر الفني، في نفس الوقت، جميل و خير و نافع لأنه يسهم في سعادة الإنسان و تروحنه.
و هكذا نتبين أن تقييم الأثر الفني بنفعه يؤدي إلى تهميش البعد الثقافي للعمل الفني و ينزل به إلى مستوى الابتذال الذي من المفروض أن يحررنا منه. لكن رغم ذلك لا يمكن أن ننفي كل نفع على الآثار الفنية، إذ يبدو الإبداع الفني كالوعد بالسعادة و التروحن و يحقق بالتالي نفعا روحيا يخلصنا من الموقف المثالي الذي يعتبر الفن غاية في حد ذاته، ذلك أن مقولة «الفن للفن» هي مقولة صورية و جوفاء لا تخدم الفن بقدر ما تؤدي إلى نخبويته.

IV الفن والرغبة:
يسعى فرويد إلى فهم الفن انطلاقا من الرغبة، إذ يبدو أن الرغبة باعتبارها الميل الذي يدفع الإنسان إلى تحطيم الموضوع والتضحية به في سبيل إشباع ذاتي, هي الحد الذي يمكّننا من فهم الجمال الفني, أليس الجميل هو ما أرغب فيه وأود امتلاكه؟ لكن هذه النظرة للفن خاطئة باعتراف فرويد نفسه، بما أنها لا تُعلمنا شيئا عن الفن وإنما فقط عن شخصية الفنان. ثم إذا كان تمثّل جسد عار يوقظ فينا رغبة جنسية فهذا يعني أننا لا ننظر إلى اللوحة في بعدها الجمالي، ذلك أن الجمال الفني لا يهب نفسه لرغباتنا ولا يتعلق إلا بالجانب النظري للذهن الذي يُبقي على موضوعه في حريته. و هذا يعني أن علاقة الإنسان بالآثار الفنية والجميل ليست من باب الرغبة، لأن الأثر الفني يحرّرنا من الرغبة الحسية ويوصلنا أبعد من ذلك، إلي انشراح لا مصلحي وتأملي صرف مثلما ذهب إلى ذلك كانط، فتحديد الفن انطلاقا من المحسوس والرغبة هو تحديد منقوص، فالفن هو الذهن الذي يأخذ ذاته كموضوع إذ يمثل خلق واقع جديد و روحي ويستخرج الحقيقة العميقة من المظاهر الحسية ويعبر عنها. وهيجل يقدم لنا مثال التماثيل الإغريقية إذ أن الفن الهيلنستي عنده يجعل الشكل الإنساني أكثر كمالا إذ يبعث فيه الحياة ويروحنه وما نراه في الفن الكلاسيكي بصفة عامة هو الروح بكامله , كمكون لعمق الأثر الفني، وأندري مارلو هو أيضا، يرى في الفن خلقا لواقع روحي جديد, إبداعا للإشكال يقول:«الفنانون الكبار ليسو محاكين للعالم بل منافسوه» كذلك الشأن مع بول كلي الذي يقول :«إن الفن لا ينتج ما هو مرئي بل هو ما يجعل الأشياء مرئية».
نستطيع إذن أن نرى في الجميل الفني تعبيرا محسوسا للفكر، فالجميل يتحدد باعتباره التمظهر المحسوس والإمبريقي للفكر, للعنصر الأرقى للفكر والكيان, فالجميل هو وحدة للشكل المحسوس والفكرة الكونية يقول هيجل:« عندما تبقى الفكرة متّحدة و مماهية لمظهرها الخارجي فإن الفكرة لا تكون فقط صادقة ولكن جميلة , فالجميل هو التمظهر المحسوس للفكر» .

الفينومينولوجيا والوعي

إن الفلسفة المعاصرة مع هوسّرل تعمّق المظهر الفاعل للوعي، ذلك هو معنى مقولة هوسّرل الشهيرة : " كلّ وعي هو وعي بشيء ما "، إذ تتحدّث الفينومينولوجيا عن قصديّة الوعي. و تشير القصديّة إلى الضرورة التي للوعي في أن يوجد كوعي لشيء آخر غير الذّات، فكلّ وعي يرمي إلى موضوع، فهو فعل، و هذا يعني أن الوعي ليس كما اعتقد ديكارت داخليّة محضة و بسيطة.
و إذا كان الوعي محدّدا بالقصديّة، فليس هو إلاّ مقصدا متعاليا و الدّاخليّ ليس إلاّ خارجيّا، فالجوّانية لا تساوي شيئا دون البرّانيّة. و هكذا فإنّ الفلسفة الحديثة تستدعينا إلى أن نرى في الوعي مجهودا عمليّا و بالتالي عملا أخلاقيا و تشكيلا للذّات عبر الأشياء.
و عندما بين هوسرل أن الإدراك ليس تجربة داخلية محايثة للوعي و إنما هو فعل الوعي الذي يقصد موضوعا متعاليا أي موضوعا خارجا عنه، قطع مع علم النفس الإستبطاني (الإستبطان : منهج في علم النفس يقتضي معرفة الذات لذاتها أي عودة الذات على ذاتها .التأمل الباطني للذات من قبل الذات .) فبالنسبة لعلم النفس الإستبطاني (كل الفلسفات التي تعتبر أن الوعي يدرك من الداخل) يوجد عالم داخلي، مجال للوعي يمكن أن نقابله بالعالم الخارجي، لكن هوسرل ومن بعده سارتر ومرلو-بونتي يقرون أن هذا التأويل ليس وفيا للتجربة النفسية فالإدراك ليس تجربة داخلية محايثة للوعي وإنما هو فعل الوعي الذي يقصد موضوعا خارجا عنه. و هكذا فإن معطيات الوعي لا يمكن أن تكون عالما داخليا لأنه حسب مقولة هوسرل الشهيرة "كل وعي هو وعي بشيء ما " ، و بالتالي فإن الوعي قصدية، والموضوع المدرك ليس في وعيي بل هو موضوع وعيي المدرك. وهذا يعني أن الوعي ليس حالة وإنما هو وعي بحالة وبالتالي ليس هناك حالات وعي تختلف عن بعضها في محتوياتها و إنما هناك طرق مختلفة للوعي بشيء ما وهو معنى المنظورية عند مرلوبونتين فأن أدرك هذه المنضدة أو أن أتذكرها أو أن أتخيلها ،في كل هذه الحالات يتعلق الأمر بموضوع خارجي هو المنضدة أقصده بوعي ولكني أقصده بقصديات مختلفة ففي الإدراك اقصد المنضدة كشيء حاضر الآن، و في التذكر اقصد المنضدة كشيء كان حاضرا، وفي فعل التخيل اقصد المنضدة كشيء ليس هنا، كشيء غير موجود، فأن أتخيل شيئا ما هو بكل بساطة أن أفكر فيه كليس هنا أي أن أضعه كعدم كما يذهب إلى ذلك سارتر في كتابه " الوجود والعدم " .
الوعي إذن هو قصدية بالأساس وهذا يعني أن الوعي بالذات المدروس لذاته هو لا معنى لأن المهم هو علاقة الوعي بالعالم فكل وعي هو وعي بشيء ما أي أن الوعي مقدر في العالم لا يعانقه ولا يمتلكه ولكن عالما لا يكف الوعي عن التوجه إليه وذلك يعني :
*أنه لا يوجد ولا يمكن ان يوجد وعيا نظريا بالذات مثلما هو الشأن مع ديكارت أي وعي لا يكون وعي شيئا ما فأن أعي بذاتي يعني إذن ان أعي بوضعيتي الراهنة أو الماضية أو بعلاقة ما بين العالم والأنا أو في أتعس الحالات بوضع محيطي .
*أن التصور الفينومينولوجي يدحض وهم المحايثة أي فكرة كون الوعي له محتويات فالوعي ليس محتو ولا هو محتوى فهو الفعل الذي نقصد به الموضوع. وبما أن هناك طرق مختلفة للتوجه نحو الموضوع فإنه يجب أن نتحدث عن أصناف وعي : وعي مدرك ،وعي راغب ،وعي متخيل ،وعي مندهش. وبما أن علاقة الوعي بالعالم هي علاقة ديناميكية لا نستطيع أن نفهم العالم دون وعي و لا نستطيع أن نفهم وعي دون عالم فلا يوجد عالم إلا بالنسبة للوعي ولا يوجد وعي إذا لم يكن وعي عالم وهكذا يتحدد العالم بطريقة ذاتية في حين يتحدد الوعي موضوعيا.
*إن العالم هو مجموع معاني والوعي ليس إلا العملية النشطة للتمعين أي ما به تظهر المعاني وهذا يعني أن المدرسة الفينومينولوجية تكرس الإختلاف وتقف ضد واحدية المعرفة العلمية فمع الفينومينولوجيا نتحول من هاجس الحقيقة إلى هاجس المعنى.

الوعي و الجسد

يحدّد أرسطو النفس باعتبارها مبدأ الحركة. و عن هذا التحديد للنفس نتجت نظريّة أرسطو حول الأنفس الحيوانية. إذ هناك نفس نباتيّة هي علّة حركة النموّ عند النبات و الحيوان و الإنسان، و هناك نفس حيوانية هي علّة حركة النقلة (الحركة في المكان) عند الحيوان و الإنسان، و هناك نفس عاقلة هي علّة التفكير عند الإنسان. و هذا يعني أن النفس كمبدأ حركة ليست ميزة إنسانيّة بما أن النبات و الحيوان لها أيضا أنفسا تحرّكها.
كمبدأ حركة يرى أرسطو مثل أستاذه أفلاطون من قبله، أن النفس تحرك الجسد و تتحكّم فيه، ذلك أن الجسد عاطل دون النفس، فهو أنطولوجيا أدنى من النفس، و هو معرفيا يمثّل عائقا، و هو أخلاقيا يمثل مصدر الفساد و الرّذيلة. فالنفس في الفلسفة القديمة تتعالى، إذن، على الجسد أنطولوجيا و إبستيميا و أخلاقيا، و الإنسان يُفسّر تفسيرا ثنائيا بما أنه يُرجع إلى مبدأين مختلفين (مبدأ روحاني هو النفس و مبدأ مادي يمثّله الجسد)، تفسيرا ينتهي إلى اختزال الإنسان في بعده الواعي. غير أن موقف ديكارت على انخراطه في التفسير الثنائي الذي يقرّ تعالوية النفس على الجسد و ضرورة تحكّم النفس فيه، يختلف عن موقف أفلاطون و أرسطو. ذلك أن النفس مع ديكارت تتحدد باعتبارها فكرا لا مبدأ حركة، و بالتالي وحده الإنسان له نفس، و أن الجسد، تماما مثل النفس، جوهر مستقل بذاته إذ يتحرّك، بحكم طبيعته المادية، حركة ميكانيكية لا دخل للنفس فيها. فالنفس لا تحلّ في الجسد مثل الربّان في السفينة، بل تكوّن معه كلاّ واحدا، جوهرا مستقلا بذاته هو الإنسان، و إحساس الجوع أو العطش أو الألم يقيم الحجّة على هذه الوحدة. و هذا يعني أن ديكارت يقرّ بتعدد الجواهر : فالنفس جوهر، و الجسد جوهر، و علاقة النفس و الجسد هي علاقة جوهريّة تنتج جوهرا ثالثا هو الإنسان.و إذا كان ديكارت يتبنّى التعريف الأرسطي لكلمة "الجوهر" و يعني بها "المستقل بذاته"، فإن سبينوزا يخالف هذا التعريف، إذ يعني الجوهر عنده "ما هو مسبّب لذاته". و من هذا المنطلق يكون هناك جوهر واحد هو الله أو الطبيعة، ذلك أن الله هو كلّ ما يوجد. و هذا الجوهر الواحد يتكوّن من عدد لا متناهي من الصفات ( الصفة عند سبينوزا هي ما يدركه العقل في الجوهر باعتباره ما يكوّن ماهيته) لا يدرك منها الإنسان إلاّ صفتان فقط هما صفتا الفكر و الامتداد. و كلّ صفة من هذه الصفات تتكوّن من عدد لامتناه من الضروب ( الضرب عند سبينوزا هو انفعال الجوهر). و هذا يعني أن كل ما يوجد في الطبيعة هو إمّا ضرب من ضروب صفة الامتداد، و إمّا ضرب من ضروب صفة الفكر، و إمّا ضرب من ضروب أحد الصفات الأخرى التي لا يعرفها الإنسان. ومن هنا يتحدّد الجسد باعتباره ضرب من ضروب صفة الامتداد، و تتحدّد النفس باعتبارها ضرب من ضروب صفة الفكر. و علاقة النفس و الجسد بما هي علاقة بين ضربين هي علاقة ضربيّة تنتج ضربا هو الإنسان، لذلك يحدّد سبينوزا الإنسان باعتباره انفعال أو كوناتوس أي رغبة في المحافظة على البقاء. كرغبة في المحافظة على البقاء لا يمكن أن يكون فعل النفس مغايرا لفعل الجسد و إلاّ استحال على الإنسان المحافظة على بقائه. وهكذا يقر سبينوزا مماهاة بين النفس و الجسد في مستوى القوة و الفعل و في مستوى الماهية و في المستوى الأنطولوجي، فالنفس هي الجسد المنظور له من جهة صفة الفكر، و الجسد هو النفس المنظور لها من جهة صفة الامتداد. لكن المماهاة السبينوزية بين النفس و الجسد تبقى رهينة التسليم بوحدة الوجود، أي رهينة تبني موقف حلولي. و لأنّ الحلوليّة لا يمكن البرهنة عليها، فإن الفكر الفلسفي المعاصر، و خاصة مع الفينومينولوجيين، أقرّ هذه المماهاة بين النفس و الجسد على أساس نظري مخالف تماما. إذ يرى مارلو بونتي أنني لا أستطيع فهم علاقة النفس و الجسد إذا كنت أعتبر الجسد مجرّد موضوع في المكان أستطيع رؤيته أو لمسه أو حتى دراسته بمناهج علميّة، لأنّ هذا الجسد الموضوع ليس جسدي : إنّه جسد الآخر كما أراه، إنّه هذه الجثّة الهامدة التي يشرّحها الأطبّاء في غرفة التشريح، و جسدي الخاص لا يُدرك مثلما تدرك المواضيع الخارجيّة، ذلك أنني أحسّ حضوره الحي من الداخل. و هكذا يبرز لنا مارلو بونتي الخطأ الأصلي للموقف الكلاسيكي فيما يخص علاقة النفس و الجسد. فالفلسفة الكلاسيكيّة تبحث في علاقة الفكر أي
الوعي و الجسد الموضوع وهو ما أدّى بها إلى مأزق. و الفينومينولوجيا بإنتاجها لمفهوم " الجسد الخاص " تجد مخرجا لهذا المأزق، فما كان يسميه الكلاسيكيون جسدا ليس إلاّ الإنسان الجسد أي الإنسان كما يبدو في الفضاء و في نظر الآخر، و ما يسميه الكلاسيكيون نفسا أو فكرا ليس إلاّ الإنسان الذّات أي ما أمثّله بالنسبة إلى الأنا، وهو ما أستطيع تسميته بالجسد الذّات، و هكذا عوض الثنائيّة نقرّ واحدية أصيلة.

الرمزية عند كاسيرار E.Cassirer

Gamoudi Brahim
عندما تناول ديكارت الإنسان واختزله في بعده الواعي فإنه ميز الإنسان بالطبيعة عن الحيوان. فالفرق بين الإنسان والحيوان حسب ديكارت هو فرق بالطبيعة، فالإنسان عاقل والحيوان "لا عقل له البتة" كما وضح ذلك ديكارت في رسالته إلى "الماركيز دي نيوكاستل" وهكذا فإن ديكارت يكون قد أفرد قولا خاصا بالإنسان قولا ميتافيزيقيا ينزّل الإنسان منزلة خاصة في العالم.
غير أن "كاسيرار" الذي عاش في القرن 20 يحاول أن يفهم الإنسان كجزء من الطبيعة، لذلك يتجاوز التعريفات التقليدية والكلاسيكية للإنسان عبر الإقرار بأن الفرق بين الإنسان والحيوان ليس فرقا بالطبيعة وإنما هو فرق بالدرجة فالإنسان هو حيوان أكثر تطورا من بقية الحيوانات ، أكثر تطورا إلى درجة أنه يحدث نقلة نوعية تجعله يتميّز راديكاليا عن الحيوان، هذه النقلة النوعية تتمثل في الوسائط التي أنتجها ليتواصل مع العالم ومع الآخر.
وإذا كان العلم قد انتهى مع البحوث البيولوجية إلى اعتبار الحياة قائمة بذاتها بحيث يمثل كلّ كائن عضوي كيانا فريدا من نوعه فإنّ "كاسيرار" يعتبر أن العالم الإنساني تمكن من تحقيق تحوّل نوعي يفرق نهائيا الحياة الإنسانية عما سواها وهذا التحول النوعي لا يتمثل في مستوى تغير كمي يتمثل في توسع دائرة الوظيفة لدى الإنسان وإنما "اكتشاف الإنسان بمنهج جديد" يقول كاسيرار جعله قادرا على أن يكيف نفسه بحسب مقتضيات البيئة التي يعيش فيها، فالإنسان مقارنة بالحيوان لا يعيش فقط في واقع أوسع من حيث أبعاده وإنما أنتج الإنسان لذاته واقعا جديدا خاصا به، واقعا يقوم على الوساطة، وساطة الأنظمة الرمزية، و ما يميز الإنسان عن الحيوان هو إذن، حسب "كاسيرار"، قدرة الإنسان على الترميز أي أن يتواصل بواسطة هذا الجهاز الرمزي الذي ينتج دلالات يتشكل بواسطتها معنى العالم، فالإنسان يتميز عن بقية الكائنات لأنه كائن بيوثقافي.
لذلك ينقد "كاسيرار" رومانسية "روسو" الذي اعتبر تحول الإنسان نحو اكتساب خصائص جديدة غير طبيعية فيه علامة فساد لإنسانية الإنسان. ذلك أن ما هو إنساني في الإنسان حسب "روسو" هو الطبيعي وكلّ إضافة غير طبيعية في الإنسان لا تؤدي إلا إلى فساده و تمثل انحطاطا بالنسبة للنوع الإنساني. و "رومنسية" "روسو" جعلته يقرّ في أصل التفاوت بأن إنسان الطبيعة أفضل حالا من إنسان الإنسان مما جعله لا يتوانى على الإقرار في "العقد الاجتماعي": «الإنسان خيّر بالطبيعة ولكن المجتمع هو الذي أفسده». ضد هذه «الرومانسية الحالمة» يقر "كاسيرار" بأن الأنظمة الرمزية تميز الإنسان باعتبارها نشاطا أصيلا لا يمكن أن يرتبط بشيء آخر غير العقل البشري وقدرته على التكيف بل أكثر من ذلك لا يمكن أن نتحدّث عن واقع إنساني قبل هذه النظم الرمزية، ذلك أنها لا تمثل انعكاسا لواقع موجود بصفة مستقلة عنها بل إن الواقع لا يصبح معقولا إلا بفضل الأنظمة الرمزية فهي شرط تعقل الواقع تماما مثلما أن المفاهيم القبلية عند "كانط" تمثل شرط إمكان التجربة ذاتها.
وهذا يعني أن كلّ الوظائف الروحية لدى الإنسان تشارك المعرفة في الخاصية الأساسية من جهة كونها مسكونة بقوة مشكلة في الأصل، قوة لا تكتفي بمجرّد إعادة الإنتاج فتشكيل الإنسان للعالم يكون بواسطة الانظمة الرمزية. و الأنظمة الرمزية بعيدا عن أن تعبر بطريقة سلبية على الحضور المحض للظواهر، فإنها توجد فيها فضيلة الاستقلالية التي للطاقة الروحية كقيمة خاصة للمثالية، وهذا يصدق على الفن تماما كما يصدق على المعرفة، يصدق على الفكر الأسطوري تماما كما يصدق على الدين.
فعالم الصورة الذي تتواجد فيه كل واحدة من هذه الوظائف ليس مجرّد انعكاس لمعطى خبري بل هو على العكس من ذلك مولّد من قبل الوظيفة الرمزية المناسبة بحسب مبدأ أصيل فكلّ الوظائف الروحية تنتج بهذه الكيفية تشكلاتها الرمزية التي و إن كانت مختلفة تماما عن رموز الذهن فإنها لا تختلف عنها من حيث قيمة مصدرها الروحي، إذ لا يمكن اختزال ولا واحدة من هذه التشكلات في الأخرى فكلّ واحدة تحيل إلى زاوية نظر روحية معينة، وكلّ واحدة تمثل من هذه النظرة مظهرا خاصا للواقع. فلا يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع بل يجب أن نرى في الأنظمة الرمزية طرقا مختلفة يتمظهر من خلالها الواقع في ذاته للعقل، ولكن هي أيضا طرقا مختلفة يتبعها العقل للتموضع في سيرورته الخاصة أي الطرق التي يتبعها العقل في تمظهره لذاته.
وسواء أخذنا الفن أو اللغة أو الأسطورة أو المعرفة فإنها تؤدي كلها مباشرة إلى ولادة مشكل كلّ مختلف، انتاجات الثقافة (اللغة، المعرفة...) تتماثل رغم اختلافاتها الداخلية في إشكالية عامةن وتتقدم كمحاولات لتحويل العالم السلبي للتمثل البسيط أين يبدو الذهن منطلقا في عالم تعبيراته الخاصة. والوظيفة السميولوجية التي تتمظهر في النظم الرمزية تتقدم تحت مظهر موجّه لإنتاج أشياء متمثلة وهذا النشاط يسميه "كاسيرار" التموضع: L’objectivation . فالأنظمة الرمزية هي إذن سيرورات ديناميكية للترميز لا تمثل انعكاسا للواقع الخارجي بل إنها تجعل تمثل الواقع الخارجي ممكنا.

مفهوم الجمال بين التصور الفلسفي والنقدي

د.التادلي الزاوي
رغم قدم الدراسات التي اهتمت بموضوع الجمال بحثا وتنظيرا، فإنه ظل مدار اختلاف وتباين في الفهم بين الدارسين على مستوى إدراكه وتقديره، والسبب في ما نعتقد يرجع إلى خضوعه لشبكة معقدة من العلاقات، يتداخل فيها الذاتي والموضوعي، المادي والمعنوي، الحسي والمجرد، مثلما يرجع إلى كونه يرتبط على صعيد الإدراك بآليات بشرية غامضة، يصعب رصد كيفية اشتغالها. وقد وقف المنظرون والدارسون إزاءه مواقف مختلفة، متسـائلين عن حقيقته، أهو معطى موضـوعي، عيني وقائم خارج الذات المدركة، أم يتوقف وجـوده على الإدراك ؟ أم لا هـذا ولا ذاك، ولكنه حقيقة موضـوعية، يعد إدراكها نوعـا من الجمال.
فأما الذين قالـوا بكون الجمال ظـاهرة موضوعية، يستقبلها الذهن ويعمل على إبرازها، فقد نظروا إليه كوجود مستقل، قائم خارج الوعي الإنساني، ويحمل مظاهره وسماته التي يتميز بها ويكتسي وجودا نوعيا. ولعل الجوانب المادية هي التي استهوت هؤلاء في نظرتهم للجمال، إذ لم يروا للإنسان فيه أي دور سوى مجرد الإظهـار، وأما الذين ربطوا الجمال بالإدراك، فقد ركزوا على عملية التلقي، باعتبار ما لها من دور في تفسيره وإعطائه معنى، حيث لا وجود للجمال ولا حقيقة له في غياب الإدراك، وهو الرأي الذي قـال به الفيلسـوف وعـالم الجمال كـانط، حين رأى أن لا حقيقة موضـوعية للجمـال، ما دام معياره الذوق
[1]. وقد أكد نفس المعنى جان كوهن، حين اعتبر الجمال ليس معطى موضـوعيا مستقلا عن الذات المدركة، ولكنه يكمن في الشعـور، أو في قدرته على إيقـاظ الشعـور بالجمـال، ذلك أنه لا قيمة عنده لأي شكل إلا في الإحسـاس به[2].
أما الرأي الثالث فقد زاوج بين الجمال كمـوضوع مستقل وبين الذات المدركة، منطلقا من كون الحقائق الموضوعية مهما بلغت، لا يمكن أن يكون لها معنى إلا من خلال تفاعل الذات معها، من خلال الوعي الإنساني وما له من دور في تفسير حقائق الوجود، ومن خلال التأثير الذي تمارسه أشياء العالم على الوعي الإنساني، فالجمال ليس مجرد خاصية تستبطنها الأشياء، بل يتضمن إحالة على الذهن البشري الذي يدركه
[3].
وإذا كانت وجهة النظر الأولى قد ألغت دور الذات في تحديد الجمال، فإن الذي استقطبها وحصرت اهتمامها فيه هو الجمال الطبيعي الذي تعتبر آفاقه محدودة بالنسبة للإبداع، ما دام يجعل محاكاة الواقع سقفا تحد عنده اجتهادات المبدعين، إذ لا يمكنهم مهما أبدعوا أن ينتجوا صورا أجمل منه، لأنهم سيكونون حتما حبيسي النموذج. وربما كان ذلك هو السبب الذي دفع هيجل إلى اعتبار الفن الذي ينحو هذا المنحى لا يقدم سوى صورة كاريكاتورية للواقع
[4]، وهو نفس الحكم الذي ينطبق على المحاكاة كما أشار إليها أفلاطون، لأنها تتعلق بمحاكاة الواقع الذي يعتبر بذاته محاكاة لواقع أسمى، وقيمة الفن الدونية يستمدها من علاقته بهذا الواقع.
وعلى خلاف ذلك فوجهة النظر الثانية قصرت الجمال على الإدراك، لتربطه بالجانب الشعوري للإنسان، ولم تعر اهتماما للجوانب الموضوعية المادية فيه، لكونها معطيات طبيعية لا دخل للإنسـان والفن فيها. غير أن وجهة النظر هذه واجهت مجموعة من الأسئلة، جعلت موقفها لا يخلو من اضطراب، من مثل : لماذا تختلف الإثارات والتأثيرات على الرغم من وحدة المظاهر الجميلة المثيرة ؟ ولماذا يختلف الجمال ويتنوع، بحيث يترك كل لون منه نوعا خاصا من التأثير واللذة فينا ؟
إن مدركات الفرد في هذا التصور لا يمكنها أن تحيط بالجمال، لكونها تخضع لمجموعة من العوامل الفيزيولوجية والسيكولوجية والتربوية. أما وجهة النظر الثالثة التي زاوجت بين الذات والموضوع في النظر إلى الجمال، فإنها ربطت الجمال بمجموعة من الشروط، يظل وجوده متوقفا عليها، معتبرة الموضوع غير ذي قيمة فنية وجمالية في غياب الذات المدركة، مثلما أنه لا وجود للذات من غير موضوع يظهرها لذاتها
[5]. وهذه الشروط بعضها موضوعي قائم في ذات الموضوع، ويدركه المتلقي اعتمادا على آليات الإدراك الحسية أو العقلية، وبعضها ذاتي يرتبط بالتأثير الذي يتركه الجمال في الإنسان[6].
إن الاختلاف الذي حصل حول مفهوم الجمال، في ما نعتقد يرجع إلى عاملين أسـاسيين : أحدهما يتعلق بالأسس النظرية والتوجهات الفكرية المختلفة التـي يستند إليها البـاحثون في الجمال ودارسوه، والثاني مرتبط بالإدراك وما يتحكم فيه من آليات، فتاريخ علم الجمال يؤكد قيام صراع مرير بين النظريتين المـادية والمثـالية حول الجمال، حيث كان الماديون يعتبرون الظواهر الجمالية ذات أساس موضوعي كامن في الطبيعة وفي حيـاة الإنسان، في حين كان المثاليون ينظرون إلـى الظواهر الجمـالية على أنها ذات منشإ روحي
[7].
وعن هذين الاتجاهين تفرعت عدة توجهات في دراسة الجمال، دون أن تراوح البحث في الجانب المادي أو المعنوي فيه. فقد نظر إليه أفلاطـون نظرة ميتـافيزيقية، وربطه بالمطلق حين اعتبره مثالا من المثل العليا كالحق والخير، وركزت المسيحية في العصور الوسطى على الجانب الروحي منه
[8]، كما أن الإسلام أعطى للجدانب الروحي في الجمال أهمية بالغة، ودعا الإنسان في مواقف شتى إلى التأمل في مختلف الكائنات وما يخضع له تكونها وصنعها من إبداع، معتبرا ذلك دليلا على مبدع الخلائق وصانع الوجود، وعلى قدرته وعظمته.
أما الفيلسـوف هيجل فقد اعتبر الجمـال هو التجلي المحسوس للفكرة
[9]، وقد أكد في ذلك على أهمية إضفاء الخصوصية الإنسانية على الأشياء المادية، لأن الجمال الفني أسمى من الجمال الطبيعي، باعتباره انعكاسا للروح، والروح عنده أسمى من المادة.
ونظرت المـاركسية إلـى الجمـال كتمثيل للنشـاط الإبداعي العملي والغرضي للإنسـان، وفـي هـذا النشـاط يتمثل جوهر الإنسـان الاجتمـاعي وقواه الإبداعية الهـادفة إلـى تحويل الطبيعة والمجتمع
[10]. واهتم الفيلسوف ديكارت بالزاوية الحسية والعقلية في الجمال، في حين انصرف بعض الفلاسفة الآخرين إلى البحث في الجوانب السيكولوجية، ليعتبروا الجمال وسطا بين الميول المنفعلة والفاعلة. ولم يستطع أي اتجاه من هذه الاتجاهات أن يحسم الأمر لصالحه.
وإذا كان الدارسون قد أولوا أهمية كبرى لإدراك الجمال، فقد أدركوا صعوبة تحقيق اتفاق حول القواعد الموضوعية التي يمكن أن يحدد على أساسها، وأصبحت مسألة إيجاد مقاييس نهائية ومطلقة شيئا غير ممكن، لكون المشاعر والأحاسيس الباطنية التي لها دور مهم في إدراك الجمال، ليست مشتركة ولا محط اتفاق بين البشر، ويزيد الأمر صعوبة انتماؤها للعوالم الداخلية المجهولة لدى الإنسان. كل ذلك لا يتيح إصدار أحكام موضوعية كلما تعلق الأمر بتقييم الإنتاجات الجمالية التي لا تنتظم وفق قواعد محددة وصارمة.
غير أن صعوبة الاتفاق حول إدراك الجمال تعود إلى مجموعة من العوامل تتحدد على أساسها خصوصية الإدراك. ومن هذه العوامل ما يلي :
ـ الموروث الثقافي والحضاري وما له من دور في توجيه الوعي الثقافي والفني للإنسان.
ـ مستوى خبرة الفرد وتجاربه، ودرجة احتكاكه بالأعمال الفنية، وما لذلك من أثر في صقل المعرفة والقدرات الإدراكية.
ـ طبيعة التربية التي يخضع لها الذوق والإحساس.
ـ الجانب الفيزيولوجي،لا سيما الحواس منه، باعتبارها نافذة الإنسان على العالم الخارجي، حيث الإدراك السليم لما هو حسي يقتضي سلامتها.
ـ الجانب السيكولوجي المتعلق بالمشاعر الباطنية للفرد التي تعكسها النزعات والميول.
ـ القدرات والملكات التي يكتسبها الإنسان وينميها عن طريق مختلف الأنشطة التي يمارسها في حياته
[11].
ـ ذوق العصر والذكريات الفنية للمدرك.
ـ المستوى المعرفي والثقافي للفرد.
ـ المعتقدات والقيم التي تحيط بالإدراك.
ـ الاستعدادات والتاريخ الشخصي للفرد
[12].
ويقف التصور المادي للجمال موقفا مخالفا لهذا، فيرى أن الوجود الموضوعي للجمال هو المؤثر في الإدراك، وليس العكس، لأن الصفة الجمالية في هذا التصور تملك وجودها الموضوعي، ولا تكتسبه من التقييم الجمالي للمدرك، بل إن سلامة التقييم الجمالي تقتضي وجودا موضوعيا للجمال
[13].
إن الاختلاف حول الجمال وحول عوامل إدراكه كان لها الأثر البالغ على توجه النقاد، وعلى اعتمادهم في تحديده على الذوق، مع ما نتج عن ذلك من صعوبات في وضع قواعد نظرية وضوابط يتم الاحتكام إليها في فهمه وتفسيره، ذلك أن أحكام الذوق ذات طبيعة ذاتية في كثير من وجوهها، وتستند في غالبيتها إلى الانطباع الذي يحصل للمرء حول الموضوع، مما يجعل تعليلها أو تبريرها صعبا. فهي لا تستند إلى أسس علمية، ولا تبنى على براهين أو حجج منطقية، خاصة إذا كان صاحبها لا يملك تصورا نظريا يبني عليه أحكامه، ويهتدي به في مواقفه وتقييماته. ولعل الرغبة في تخطي هذه الإشكالية هي التي حفزت النقاد على التفكير في إيجـاد معـايير موضوعية تتناسب وخصوصية الجمال، ولا يشذ في ذلك عن باقي الإنتاجات الفكرية التي استطاع أصحابها أن يضبطوها بالتقعيد العلمي البعيد عن التفسيرات الميتافيزيقية، أو تلك التي تحكمها الأهواء والنزعات.
مقومات الجمال
تحديد مقومات الجمال لا ينفصل عن فهم الجمال وإدراكه، لذلك اختلفت وجهات النظر في تحديد هذه المقومات : فمن مركز على المقومات الذاتية المرتبطة بالوجود الموضوعي للجمال، وهذه كانت وجهة نظر الدين اهتموا بوجوده المادي والمحسوس، حيث رأى بعضهم أن الجمال هو ذلك الشيء " الذي يتسم بالتناسق والانسجام والتوافق والنظـام، بحيث ينم عـن معنـى ويكون له مغزى "
[14]، وذهب مجاهد عبد المنعم مجاهد إلى أن الجمال يتأسس على مجموعة من المقومات، منها التماثل والتناغم والتوازن، وتعادل مختلف القوى والتدرج والتكرار والتنـاسق[15]. وتلك أمور نجد لها تجليا واضحا في مختلف الإبداعات الإنسانية، ويحققها المبدعون عن قصد ووعي.
أما المعطيات الطبيعية فلا أهمية لها في الفن، لأنها خارجة عن الفعل الإنساني، ومتجهة صوب هدف مختلف عن ما يهدف إليه الجمال الفني، فهي تهدف إلى الحفاظ على النوع وعلى النفس، في حين يكمن الهدف المركزي للجمال الفني في ذاته
[16]. وقد أشـار عبد الله الطيب في كتابه "المرشد إلى فهم أشار العرب وصناعتها" إلى حقائق الجمال الحسية التي تدرك بواسطة الحواس، فتحدث في النفس سرورا، معتبرا إياها تدور حول أمرين هما الكل والتفصيل، حيث الكل يتجلى في الشكل والهيئة العامة، أما التفصيل فيتجلى في الألوان ومظاهر الضوء والظلام. والأمران معا يدوران حول الانسجام الذي يحققـان به الوحدة والتوازن. وفـي اجتمـاع كل ذلك يتحقق الجمـال[17]. وكان تأكيده على ذلك من خلال دراسة نماذج شعرية تحقق قيم الجمال المطردة في الثقافة العربية.
ومن مركز في الجمال على مقومات معنوية مرتبطة بالتأثيرات التي تلحق متلقيه، أو منحصرة في وجوده الموضوعي وأبعاده ودلالاته. ومن ذلك الجدة والطرافة والأصالة والاعتدال، والوضوح والصفاء والغرابة والشذوذ، أو بصفة عامة المعاني التي تنتج عن الجمال حينما يكـون "صورة من اتفـاق العقل والحس وبين ما يتخيل وما يرى "
[18]. وهناك من ركز في الجمال على ما يترتب عليه من متعة ولذة وإشباع، بحيث تستحسنه النفس وترضى عنه. وتلك أمور لا يمكن حدوثها إلا إذا تجاوب الشعور الإنساني مع الموضوع الجمالي في بعض جوانبه أو كلها.
على أن هناك من نظر إلى الجمال في بعده الاجتماعي، فاعتبر الجميل هو كل ما يستجيب للممارسة الاجتماعية للإنسان، ويستند إلى الصفات الطبيعية للشيء، بحيث طبيعة الوجود الاجتماعي للفرد هي المتحكم الأساسي في إدراكه الجمالي. ولعل هذا الرأي يسير في ركب التصور المادي المـاركسي الذي يعتبر الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي. وقد قال به كثير من النقاد المؤمنين بالماركسية كمذهب فلسفي، من خلال نظرتهم للحكم الجمالي على أنه نتاج سوسيوثقافي يصدر عن الإنسان كنتيجة حتمية لعلاقته بمحيطه الاجتماعي، إذ الذي لا يحمل ثقافة عالية، لا يتوقع منه أن يصدر أحكاما جمالية سامية ونبيلة.
وأما الانشغال بالشكل الفني كمجال لتجلي الجمال في الأدب، فلا ترى فيه الماركسية سوى نوع من العجز عن تحمل تعقيدات الحياة، وسعي إلى طمس حقيقة الواقع، عبر الدعوة إلى استقلالية العمل الأدبي. وموقف مثل هذا لا يمكن أن يتسم بالبراءة، لأن مهمة التعبير الجمالي تقتضي الإشارة إلى الواقع بإظهار ما يحمله من تناقضات.
إن موقف الماركسية من الجمال يرتبط بتصورها الفلسفي العام للفن، والذي تعتبره فيه جزء من البنية الفوقية، ومن ثم فهو يملك صلة بالقاعدة الاقتصادية، ويقترن لذلك بتطورها.
إن مـا يحمله الجمـال مـن مقومـات متعددة يجعل تحديده أمرا نسبـيا، سيما وأنه ذو صلة واضحة بالقيم التي يضمرها، وبالمعـاني التي يراد له أن يتضمنها. فهي معـان تتسم بالتعدد، يخضع إدراكها لمعطيـات الثقـافة الاجتمـاعية والقيمية للفرد، فضلا عن كون النظر إليه يخضع للأدوار المختلفة التي يتوقع منه تأديتها، وهي أدوار لا يمكن حصرها في اللذة والمتعة، كما دأبت العديد من الاتجاهات المثـالية أن تجعله حبيسا لهمـا، ذلك أنه يقـوم - إلـى جـانب وظيفتي اللذة والمتعة - وبشكل غير مباشر، بوظيفة تربوية، من خلال ما يقدمه من نموذج يريد بها تهذيب النفوس وتربية الطباع، كما يقوم بوظيفة تنفيسية وتطهيرية، حين يخفف من أعباء المتلقي وينسيه مشاعره المكلومة، أو يساهم في حل تناقضاته الشعورية، ويقوم بوظيفة معرفية من خلال ما يقدمه من صور عن الواقع تستوجب من المتلقين التحليل والفهم والتفسير، لتنمي وعيهم ومداركهم.
وإن استحضـار هذه الوظـائف، منفردة أو مجتمعة، ليجعل الجمـال متعدد المقومـات وغنيها، بحيث الاجتهـاد في حصر الجـانب الشكلي منهـا، لن يكون كـافيا في ضبط الجـانب المعنوي الذي يتنوع بتنوع دلالات الجمـال وأهدافه، وهـذا مـا جعل المقومـات الجمـالية تتسم بطـابع التغير والذاتية المرتبطة بمن يحـاول تحديدهـا. على أن الجمال في استعمـالات الدارسين كثيرا ما التبس بالفن ليبلغ حد الخلط أحيـانا لدى المتلقين، وقد حـاول جيروم ستـولنيتزJerome Stolnitz إبراز الفرق بينهمـا في كتـابه " النقد الفني دراسة جمـالية وفلسفية "، إذ اعتبر الفن يشير إلـى إنتـاج موضوعـات، أو خلقهـا عن طريق نوع مـن الجهد البشري
[19]، ولذلك يسمى المنتوج عملا فنيا. أما الجمال فإنه " يشير إلى جاذبية الأشياء وقيمتها "[20].
الجمال إذن سمة وميزة يتميز بها المنتوج البشري، ماديا كان أو معنويا، وهذه السمة هي ما يجلب المتذوق ويؤثر فيه، فيملك عليه أحاسيسه بما يحقق لديه من لذة، أما الفن فهو المنتوج المتحقق نتيجة عمل معين، بحيث قد يكون جميلا وقد لا يكون، كما أن الجمال قد يتحقق في الفن وفي غير الفن. ولعل الطبيعة تقدم لنا خير دليل على ذلك، بما تشتمل عليه من مناظر خلابة لا دخل للفن فيها. غير أن الفن في المجال الأدبي لا يذكر إلا ويقترن بالجمال، اعتبارا لكون الغاية التي يسعى إلى تحقيقها هي جوهر الوجود الجمالي، وهو ما فرض على دارسي الأدب ونقاده أن يقرنوا العمل الفني بالجمال، بل إن جوهر أية دراسة نقدية للفن الأدبي مهما كان جنسه أو نوعه، هو البحث في مقوماته الجمالية، لإبراز وظائفها في التواصل الذي يشكل غاية كل مبدع، ومستوى توفق المبدع في حسن استعمالها والإجادة فيها.
خصائص الجمال
يتبين من خلال التعاريف التي حاولت مقاربة الجمال الفني، أو من خلال المواقف والتصورات التي اتخذته موضوعا لها، أنه يتميز بمجموعة من الخصائص والسمات نذكر منها ما يلي :
ـ أنه ذو طبيعة إنسانية، لأن الكائن الحيواني لا يستطيع أن ينتج جمالا.
ـ أنه عمل قصدي وصادر عن الوعي، لأن الإنسان أنتجه بهدف تبليغ رسالة، ولم يكن مجرد ترف فكري، أو سلوك غير إرادي.
ـ أنه يرفض القواعد السابقة على إنتاجه، لأنه سعي في غير نموذج، سوى النموذج الذي لا تكون صورته واضحة تمام الوضوح لدى المبدع لحظة الإبداع، لكنه ينتظم ويبنى وفقا للمتعة التي ينشدها المبدع، وتوجهه في عمله.
ـ يعتبر تعبيرا عن شعور داخلي يتميز بالتدفق والانسياب.
ـ يتضمن أهدافا غير جمالية وغير مفصح عنها، إلى جانب الهدف المركزي الذي يتمثل في تحقيق اللذة والمتعة.
ـ الكثير من معطياته وعناصره غير قابلة للتبرير الموضوعي، نظرا لطغيان الذاتية فيها، وإغراقها في الجوانب المعنوية والباطنية للإنسان.
ـ يقوم على منطق خاص به، مما يجعل منطق الواقع لا يسعف في تفسيره أو الحكم عليه.
ـ يقتضي تقييمه النظر إليه في شموليته، إذ لا قيمة للعنصر الواحد في ذاته، ولأن مختلف عناصره تتجه لخدمة النسق الكلي.
ـ يقوم على الذاتية والفردية أساسا في إنتاجه.
ـ لا تستطيع المعرفة لوحدها أن تنهض به، بل لا بد من الاستعداد الفطري أيضا، والملكات والقدرات الباطنية. فتعلم قواعد الجمال لا يمكن أن تعطي فنانا على الرغم من أهميتها.
ـ المقاييس الأساسية لتحديده تتسم بالطبيعة الداخلية، إذ ينتجها الناقد ساعة العملية النقدية.
الجمال و النص الأدبي
الجمال قيمة من القيم التي يتصف بها الشيء الجميل، وتشكل سمة له حين تتوفر فيه خصائص معينة، أما إدراكه فنوعان :
أحدهما شعوري، وينتج عنه إحساس باللذة والارتياح، أو الرضا والمتعة، ويتعلق الأمر فيه بالجمال المحض، الذي نزهه الفيلسوف إيمانويل كانت عن كل غرض أو منفعة، وتلعب الحواس دورا هاما في إدراكه، لأن اللذة الإنسانية التي تشكل غاية له، تكتسي طابعا مباشرا، ولا تقوم على أي أساس عقلي، بل يشكل الذوق أساسها الوحيد. ونظرا لكون الذوق ذا طبيعة ذاتية، فإن ما يمكن أن يصدر عنه من أحكام حول المواضيع الجمالية، يظل مدار خلاف بين مدركي الجمال وتطبعه النسبية، والسبب في ذلك يعود إلى عوامل مختلفة، عبر عنها "كانت" نفسه حين قال : " لا توجد قاعدة موضوعية يحدد بها الذوق ما هو جميل استنادا إلى تصور، لأن كل حكم صادر عن هذا المصدر هو حكم جمالي، أي مبدأه المحدد هو شعور الذات لا تصور الموضوع. ومن العبث البحث عن مبدإ للذوق يوضح بواسطة تصورات معينة المعيار الكلي للجميل، لأن ما نبحث عنه نحن حينئذ أمرا مستحيلا ومناقضا في ذاته "
[21].
الثاني عقلي، ويتعلق بالجمال غير الخالص، وهو الذي عبر عنه "كانت" بالجمال التابع، ويتميز بكونه يفترض تصورا سابقا على الموضوع الذي يراد الحكم عليه، ويستند إلى قواعد موضوعية تشكلت عبر تاريخ الجمال، نتيجة لتراكم خبرات وتجارب معينة في حياة الإنسان، حيث يفضي تحققها في الموضوع إلى إكسابه صفة الجميل، وتنتفي عنه هذه الصفة إذا لم يخضع لتلك القواعد.
وإذا كان النقاد وعلماء الجمال يختلفون حول الجمال، سواء على مستوى طبيعته أو مصدره، أو كيفية تحققه، فإن ذلك يعود إلى اختلاف الأسس الفلسفية المعتمدة لديهم، ولم يكن الجمال في الأدب ليسلم من هذا الاختلاف، نتيجة لكون النقد الأدبي لم يكن يميز جيد الأعمال الأدبية من رديئها، اعتمادا على اللذة التي تحدثها لدى متلقيها، حين يستحسنونها ويرضون عن فنيتها فقط، بل كان يعتمد قواعد مطردة في المجال الأدبي، بعضها يرتبط بالشكل الفني، وبعضها ذو صلة بالمعنى، لذلك نرى أنه من الضروري في الحديث عن الجمال في الأدب أن يؤخذ الجانب المعنوي بعين الاعتبار، لما له من دور في التصور الجمالي للأديب.
وإذا كان الشكل هو المظهر المادي للنص الأدبي الذي يعكس الجانب الجمالي، فإنه لا يكتسي قيمته الجمالية إلا في علاقته العضوية مع المضمون. وقد عير بعضهم عن ذلك بقوله : " قيمة أي نوع من أنواع الفن إنما تتحدد وفقا لملاءمة الشكل المحسوس للفكرة التي يجري التعبير عنها "
[22]. على أن إجرائية البحث في الجمال تستوجب أن ننظر في الجانب الشكلي للعمل الأدبي، باعتباره المستوى الذي يعكس الوجود المادي للجمال، وإن كان هذا الجمال لا قيمة له بعيدا عن مضمون يوجهه. فأي معنى إذن يحمل الجمال في النص الأدبي وما هي عناصره؟
يشار بالجمال في الأدب إلى السمات والخصائص التي يحملها النص الأدبي ويتميز بها تعبيره عن غيره من التعابير، بحيث يكون قادرا على إثارة انفعالات المتلقين وعواطفهم، فيحقق لديهم متعة ولذة، وهذه السمات تتحدد في صياغته. لذلك يستدعي كل بحث في الجمال في النص الأدبي أن ينظر الناقد والمتذوق في ما حققه شكله من إضافة إلى النوع الأدبي الذي ينتمي إليه، وهذا بدوره يستدعي أن يكون المبدع عالما بقواعد النوع الأدبي المطردة، ويتخذها إطارا نظريا يوجه عملية الإبداع، دون أن يضيق عليها، لأن الإبداع الجميل يسعى دائما إلى التجاوز ورفض النمطية.
والإطار الجمالي الذي ينتج في سياق التطور الثقافي والفني، لا يمكنه أن يستقر على وضع معين، مما يجعل المقاييس الجمالية نفسها غير مطلقة، سواء في جانبها الذاتي، أو الموضوعي، حيث قراءة قصيدة تمجد البطولة أو رواية بوليسية لا يمكن أن يترتب عنها نفس الشعور ونفس الاستجابة لدى المتلقين، بل تتدخل في ذلك اعتبارات ذات صلة بتجربة القراء مع هذين الجنسين الفنيين، أو ذات صلة بوضعهم الشعوري، كما أن معايير الجمال في الإبداع الشعري في العصر الحديث ليست هي نفس المعايير عند النقاد القدامى.
الجمال في الأدب يهم الإطار العام للنص الأدبي، وما يندرج تحته من مكونات مختلفة، مثل الألفاظ والتراكيب، والصور والرموز والإيحاءات، وكذا الأصوات والإيقاعات والموسيقى، ولا يكون العمل الأدبي جميلا إلا إذا توفق الأديب في اختيار هذه العناصر، وأحسن استعمالها، بحيث يكون أكثر إبلاغا وقدرة على تمثل القيم البيانية، وأصول البلاغة كما تطرد في الأدب العربي. وهذه قيم جمالية عامة قد تتوفر في جنس أدبي أكثر من غيره. على أن الجمال في الأدب أيضا يهم القيم الفنية التي ترتبط بجنس أدبي معين. فجمالية الرواية مثلا لا تتحقق في اللغة أساسا وإن كانت اللغة لها أهميتها فيها، ولكن تتحقق في العناصر الفنية التي تعتبر مقومات أساسية في الرواية، كالسرد والوصف والأحداث والزمان والمكان وغير ذلك، وجمالية الشعر تتحقق انطلاقا من مقومات نوعية لا بد من توفرها في الشعر، كالموسيقى والوزن والصور والمجازات...ومعنى ذلك أن الجمال في الأدب يتحدد على أساس قواعد النوع والجنس، وإن كانت هناك قواعد مشتركة يحددها علم الجمال للفنون عامة، وتشكل الإطار الذي تتحقق بفضله متعة المتلقي.
نخلص من هذا إلى أن الجمال في النص الأدبي هو الخاصية الجوهرية التي يتميز بها كخطاب عن غيره من الخطابات، مما يجعله مظهرا لأدبية الأدب، لذلك لا فصل بين الأدب كأدب وبين العنصر الجمالي فيه، بل لا يسمى الأدب أدبا إلا إذا كان جميلا، وهو ما يعني أن البحث في عناصر الأدبية في أي نص أدبي هو بحث في الجمال فيه، لأنه يتعلق بالجوانب التي تبرز إضافة المبدع وتحدد تميزه، أما مختلف الآثار المترتبة عنه وردود الفعل عليه، فإنها ليست من الجمال في شيء، ولا تحكمها قواعده، لأنها تخضع لاعتبارات اجتماعية ونفسية بالأساس، وهي بحكم ذلك خارج الجمال المتحدث عنه في النص الأدبي، وإن كانت ذات صلة به.
[1] عبد الله الطيب المرشد لفهم أشعار العرب وصناعتها ج2 دار الفكر العربي بيروت1970 ص485.
[2] جان كوهن بنية اللغة الشعرية.ت.محمد الولي ومحمد العمري.المعرفة الأدبية دار توبقال للنشر ط1/1986 ص 19.
[3] زكريا إبراهيم في إحالة على كاسيرر فلسفة الفن في الفكر المعاصر دار مصر للطباعة القاهرة 1966 ص243.
[4] هيجل(فريدريك) المدخل إلى علم الجمال.ت.جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت ط2/1980 ص35.
[5] محمد زكي العشماوي قضايا النقد الأدبي دار النهضة العربية 1979ص24.
[6] فؤاد مرعي المفاهيم الجمالية مجلة المعرفة السورية عدد247 سبتمبر1982 من ص17إلى ص23.
[7] روزنتال ـ يودين الموسوعة الفلسفية ص280.
[8] روز غريب النقد الجمالي وأثره في النقد العربي دار الفكر اللبناني ط2/1983 ص42.
[9] علي عبد المعطي محمد جماليات الفن المناهج والمذاهب والنظريات دار المعرفة الجامعية الإسكندرية 1994 ص22.
[10] روزنتال ـ يودين الموسوعة الفلسفية ص280.
[11] روز غريب النقد الجمالي وأثره في النقد العربي ص43.
[12] جيروم سولينتز النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية ت.فؤاد زكريا المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2/1981 ص71.
[13] عبد المنعم تليمة مداخل إلى علم الجمال منشورات عين المقالات الدار البيضاء ط2/1987 ص23.
[14] علي عبد المعطي محمد جماليات الفن ص22.
[15] مجاهد عبد المنعم مجاهد تاريخ علم الجمال دار بن زيدون للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ط1/1988 ص39.
[16] جان برتليمي مبحث في علم الجمال.ت.أنور عبد العزيز دار نهضة مصر للطبع والنشر القاهرة ص424.
[17] عبد الله الطيب المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها ج2 دار الفكر بيروت ط2 /1970 ص ص488-489-490.
[18] روز غريب النقد الجمالي وأثره في النقد العربي ص32.
[19] جيروم سولنيتز النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية.ت.فؤاد زكريا المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط2/1981 ص29.
[20] جيروم سولنيتز النقد الفني دراسة جمالية وفلسفية ص23.
[21] عبد الرحمان بدوي إمانويل كانت فلسفة القانون والسياسة وكالة المطبوعات الكويتية1979 ص342.
[22] رمضان الصباغ الفن والقيم الجمالية بين المثالية والمادية دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر إسكندرية2000 ص144